Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 404
الجزء التاسع ٤٠٤ سورة القدر أما المستشرقون وهم قوم يحاول معظمهم تحوير الأحداث تعصبا كالقسيسين وأمثالهم، وبعضُهم يبحث عن الحقيقة بأمانة - فهم أيضا اعتبروا هذه السورة مكية، فمثلا قال المستشرق الشهير "نولدكه" إنها نزلت بعد سورة الضحى فورا. (تفسير القرآن للقسيس "ويري") وقد ذكرت بعض الروايات الحديثية سببًا عجيبا لنزول هذه السورة، وهو أن الصحابة سمعوا من اليهود أن أربعة من الأنبياء عبدوا الله تعالى ثمانين سنة ولم يعصوه طرفة عين، وهم أيوب وزكريا وحزقيال ويوشع، فعجب الصحابة منهم وغبطوهم، فنزلت إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (الدر المنثور، والبحر المحيط). . أي أنكم تغبطونهم بعباداتهم دونما ارتكاب إثم ثمانين سنة، أما الإسلام فلو عبد فيه المرء ربه في ليلة القدر كانت عبادته فيها أفضل من عبادة ألف شهر والتي تساوي ٨٣ سنة. وهذه الرواية ليست صحيحة في رأيي والتسليم بها محال عقلاً؛ إذ كيف يمكن أن تُفضَّل عبادة عبد ليلة واحدة على عبادة شخص يعبد الله بصدق ثمانين عاما؟ فلو قيل: لأن عبادته في ليلة واحدة تكون مفعمة بالحرقة والخشوع والحب والعشق الله تعالى فتفضل على عبادة ثمانين سنة، فهذا ليس بأمر ذي بال يستحق ذكراً خاصا، إذ يعرف الجميع أنه لو امتلأت عبادة المرء ساعة واحدة –دعك من ليلـــة واحدة بإخلاص ومحبة وخشوع لا توجد في عبادة شخص آخر لثمانين سنة، لكانت عبادته أفضل من عبادة الآخر. بل أقول: دَعك من عبادة ساعة، بـل لـو تيسرت للمرء مثل هذه العبادة دقيقة واحدة لفضلت على عبادة من يعبد الله عبادة عادية لثمانين سنة أو مائة سنة. خذوا مثلاً إبراهيم العليا، فإنه رزق ابنه البكر بعد أن تجاوز الثمانين، والثابت من القرآن والتوراة أنه لما كبر ابنه أمره الله تعالى أن يذبحه في سبيله سورة الصافات : ۱۰۳، والتكوين :۲۲ -١-١٤). وكان تأويل هذا الذبح في رأيي أن يترك ابنه في وادٍ غير ذي زرع حيث لا طعام فيه ولا شـــراب، فكأنه يقتله في الظاهر، ولما كانت القرابين الإنسانية رائجة يومها، فأراه الله تعالى هذا الأمر في المنام حسمًا لقضية القرابين الإنسانية أيضا. ونظراً إلى عــادة تقــديم