Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 310
۳۱۰ الجزء التاسع سورة العلق وخوفٌ نظرًا إلى عظمة المهمة، كما كان عنده إدراك بعظمة الله واستغنائه، فشدة الأدب والتعظيم مَنَعَه من أن يقول الله تعالى أنه لا يصلح لهذه المهمة فالأفضل أن يأمر بها غيره، فلذلك قال لجبريل على سبيل الاستغراب: "ما أنا بقارئ"، مع أنه لم يكن قد أُمر بقراءة شيء في ذلك الوقت. الواقع أنه مجرد أسلوب أدب جم اتبعه الرسول ﷺ للتعبير عن مشاعره. لقد أدرك أن الإنكار المباشر سيكون عصيانا لأمر الله تعالى، بل لو قال إنه ليس أهلاً لهذه المهمة لكان خلاف الأدب والتعظيم؟ فالطريق الذي اتبعه هو أنه قال: "ما أنا بقارئ"، أي لست من أهل العلم فماذا أستطيع فعله؟ والملاك نفسه قد أكد في النهاية أنه لم يُرد من الرسول ﷺ القراءة، إنما أراد منه أن يردد وراءه ما يقول. علما أن من معاني القراءة ترديد الكلام أو قراءة شيء مكتوب، فلم يَعْنِ الملاك بقوله اقرأ أن يقرأ النبي ﷺ كلاما مكتوبا، إنما أراد أن يردد النبي وراءه ما يقوله، فلما ردد النبي الله وراءه تلك الكلمات تحقق هدف جبريل، فتركه وذهب. إن بدء الوحي مسألة هامة، وكما قال ابن كثير عن أول ما نزل من آيات القرآن هن" أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بما عليهم". فلا شك أن أولى آيات هذه السورة ذات أهمية قصوى من حيث إنها بمنزلة البذرة والنواة للقرآن الكريم، فبعد نزولها نزل سائر القرآن لا شك أن كل القرآن ذو أهمية كبرى، ولكن لقوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ أهمية بالغة من حيث المشاعر والعواطف، حيث يصاب جسم الإنسان برعدة حين يفكر أن هذه الآيات التي عرفني الله تعالى بها قرآنه. ومثال هذه الذكرى القرآنية كمثال صديقين يلتقيان بعد فترة فيتحدثان بشوق عن بداية صداقتهما، أو كمثال زوجين يتحدثان عن بداية زواجهما بشوق. فإذا كانت الأحداث المادية البسيطة تكتسب هذه الأهمية بحيث يستمتع المرء بذكراها فما بالك بأهمية تلك الآيات وعظمتها التي : بدأ الله بها آخر وحيه التشريعي الذي ستظل البشرية تهتدي به إلى يوم القيامة، والذي قد تحققت به الغاية من خلق الإنسان والذي حظي به بقرب الله تعالى،