Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 602
الجزء الثامن ٦٠٧ سورة الغاشية إذن، لقد أصبح أبو جهل صغيرا بعد أن كان كبيرا، وصار أبو بكر كبيرا بعد أن كان صغيرا. وبهذا المعنى نفسه قد أوحي إلى المسيح الموعود الله: "كم من صغير سيجعل كبيرا وكم من كبير سيجعل صغيرا" (التذكرة ص٤٥٣). فأحد الرجُلين اعتُبر من الوجوه، نظرًا إلى بدايته، والآخر نظرا إلى نهايته، وإلا فلا يمكن أن يكونا سيدين لبلد واحد؛ لأن بينهما عداء. فالله تعالى يقول هنا للذين يعادون محمدا ، لا شك أنكم وجوه اليوم، ولكنكم ستصبحون وجوها خاشعة غدًا، ولا شك أن المسلمين ضعفاء اليوم، ولكنهم سيصبحون وجوها غدًا. ثم ذكر الله تعالى من صفات هذه الوجوه أنها ناعمة، أي أن المسلمين يصبحون وجوهًا ناعمة وللناعمة مفهومان: الأول ذات حسن ونضارة، والثاني: المتنعمة. . أي المترفلة بالنعم. . والمراد أن المسلمين يحوزون الكمال في أنفسهم وفيما حولهم. . أي ينعمون بالنعم الداخلية والخارجية. المفهوم الظاهري أنهم ذوو جمال وأموال، والمفهوم الروحاني أنهم ذوو تقوى وعلوم روحانية بتعبير آخر: إنهم يتحلون بعرفان وغنّى كاملين كما يملكون معارف وأموالا يوزّعونها على الآخرين أيضا، ذلك أن الحسن شيء ذاتي يخص ذات الإنسان فقط، أما المال فيتمتع به، كما يعطيه للآخرين. كذلك التقوى تخص ذات الإنسان ولا يمكن أن يوزعها للآخرين، أما العلم فيمكن توزيعه على الآخرين أيضا. فالله تعالى يخبر أن المسلمين سيحوزون الجمال والمال ظاهرًا، ويتحلون بالتقوى والعلم باطنًا. اعلم أن المفهوم الظاهري لقوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعَمَةٌ هو أنهم في ذلك اليوم سيبدون ذوي حسن وجمال وفهم هذا التعبير صعب، إذ كيف يبدو الإنسان جميلا في وقت خاص إذا لم يكن جميلا في الواقع؟ ولكن الحقيقة أن الذي تحبّه يبدو لك جميلا جدا. وهذا ما تشير إليه الآية، أنهم بسبب تقواهم وإحسانهم يصبحون محبوبين عند الناس، ومهما كانت صورتهم فيجدهم الناس ذوي حسن وجمال، كما يرى كل أب ابنه جميلا، وكل ابن يرى أباه جميلا. كان عمرو بن العاص له قبل إسلامه عدوا شديدا للإسلام، فأصيب بقلق شديد قبيل وفاته وكان يقول : بأي وجه ألقى ربي؟ فقال له ابنه: ما هذا الذي