Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 408
الجزء الثامن ٤٠٩ أعماله سورة المطففين الأنبياء شيئا، كما أن أخلاقهم القليلة أيضًا تظل ضيقة النطاق جدا. لو نظرنا إلى أخلاق النبي ﷺ أو إلى أخلاق موسى أو عيسى عليهما السلام- لوجدناها واسعة سعةً غير عادية. فكان صدقهم عظيما، وأمانتهم عظيمة، وبشاشتهم عظيمة، وسخاؤهم عظيما، ورحمتهم وعنايتهم بالفقراء وعدلهم وتوكلهم عظيمًا؛ لقد تحلوا بعشرات الأخلاق الحسنة، وبمستوى عال جدا. وعلى النقيض إذا رأيت الفلاسفة، فقد تجد أحدهم أمينا أو سخيا، ولكن لن تجد أيا منهم يجمع في نفسه الأخلاق الحميدة كلها وليس ذلك إلا لأن المرء تظل أعماله محدودة في نطاق ضيق ولا تتسع أبدا ما لم يكن أمامه مطمح عال يتطلع إليه، وما لم يكن أمامه أسوة رائعة يتأسى بها. وإذا ظلت أعمال المرء في نطاق ضيق جدا فلن تتسع ولن تتنوع أبدًا ؛ فأَنَّى له أن يرى ربه يوم القيامة؟ وكيف يعرف إلهه الربَّ مَن لم يسعَ للتحلي بربوبية كربوبيته؟ وكيف يعرف إلهه الرحيم من لم يكن رحيما؟ وكيف يعرف إلهه الرحمن من لم يكن رحمانًا؟ وكيف يقدر على رؤية الله تعالى يوم القيامة من لم يكن غفورًا وستّارا ومهيمنا؟ فمَن لم يذق في حياته الشمام مثلاً، كيف يعرف طعمه حتى ولو رآه؟ كلا، سيفشل في استيعاب كنهه. فالذي يظل نطاق عمله محدودا ضيقا، ولم يعكس صفات الله تعالى في مرآة قلبه في الدنيا، فكيف يعرف ربه إذا ظهرت صفاته أمامه يوم القيامة؟ كلا بل إنه سيقف كالأعمى ولن يرى منها شيئا. وحيث إنه يُبعث يوم القيامة أعمى، مع ظنه أنه فيلسوف حكيم بصير ومفكر كبير، فيقول الله تعالى يومئذ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ). . أي لمَ بعثتَني أعمى اليوم مع أنني كنت بصيرا حكيمًا، وعالم نفس كبيرا، وفيلسوفا عظيمًا وعالما كبيرا، أؤسس معلوماتي على المشاهدة، وأقضي ليلي ونهاري في مطالعة الكتب والتدبر في أسرار الكون؟ فيجيبه الله تعالى كَذَلكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلكَ الْيَوْمَ تُنْسَى. . أي قد أريناك على يد رسولنا المعجزات، وأتيناك بالآيات على كوننا إلا قادرا ، وربَّا ورحيما ومالكا ومحييا ،ومميتا، فلم تأبه بها ولم تتوجه إليها. كنت ترى رسولي وتعتبر كلامه فارغا، وتقول أنى لهذا الشيخ أن يستوعب علومي ومعارفي أنا فيلسوف! أنا "كانط" ! وأنا "هيجل"! كيف أضيع وقتي في