Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 205
الجزء الثامن ٢٠٦ سورة عبس ولكنا نرى أن العتاب لم يخفف في آيات ضمير المخاطب، بل اشتدّ، أما في آيات ضمير الغائب فليس هناك أي عتاب أصلا. فقد بينتُ من قبل أن العبوس والتولي مع ليس مما يجرح مشاعره أو ينزل بسببه عتاب رباني، بل إن هذا السلوك النبوي دليل على خُلقه العظيم. أفليس غريبا إذًا ، أن يستعمل الله تعالى ضمائر الغائب حيث لا عتاب أصلا، ويستعمل ضمائر الخطاب حيث العتاب كله؟ انظر إلى شدة النبرة في قوله : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ( وَهُوَ يَحْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَى. فمتى كانت هذه الكلمات أخف من العبوس والتولي؟ بل يبدو وكأنه تعالى قد ركز فيها على التوبيخ وأهمل جانب المدح. فثبت أن تأويل المفسرين باطل تماما، لأنه لا يتماشى مع الضمائر المتغيرة؛ إذ لا مبرر معه لتغيير الضمائر. وبقي الآن عندنا احتمالان فقط الثالث والرابع ولو أخذنا بالاحتمال الثالث أي أن يكون ضمير الغائب في عَبَسَ وتَوَلَّى عائدا إلى غير النبي ، وضمير المخاطب في وَمَا يُدْرِيكَ راجعا إلى النبي - لواجهتنا المشكلة المشار إليها من قبل، أعني أننا نضطر لإنكار هذه الواقعة الواردة في كتب الحديث والتاريخ عن ابن أم مكتوم، والتي لا يمكننا إنكارها بعد هذه الشهادات الكثيرة المتواترة الواردة في كتب التاريخ وبعض الصحاح (الترمذي، أبواب التفسير. ومعلوم أن الشهادة التاريخية لا يمكن رفضها إلا بشهادة مخالفة أقوى منها. إذا فقد بقي عندنا الاحتمال الرابع فقط، وهو أن يكون ضمير الغائب في العَبَسَ وَتَوَلَّى عائدا إلى النبي ، وضمير المخاطب في وَمَا يُدْرِيكَ راجعا إلى غيره وأرى أن هذا هو السبيل الوحيد لحل هذه المعضلة، لأنه لا يتنافى مع هذه الواقعة التاريخية، كما لا ينال من عظمة الرسول ل وكرامته. الرسول وكرامته. وعندي أن الضمير في قوله تعالى عَبَسَ وَتَوَلَّى راجع إلى النبي وأن واقعة ابن أم مكتوم صحيحة، إذ تكررت في مصادر شتى بتواتر، ولا يسعنا رفضها بغير أن يكون بيدنا دليل تاريخي قاطع يقيني.