Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 195
الجزء الثامن ١٩٦ سورة عبس المحال أن يزدهر هؤلاء إلا أن يُنزَعوا من تلك الأرض الفاسدة. وقد أشير إلى ذلك في سورة النازعات، حيث بين الله تعالى أن هؤلاء مزودون بالكفاءات فعلاً، ولكنهم في أرض فاسدة فلا يستطيعون أن ينبتوا فيها ويزدهروا، ولذلك نمهد لهم عن الآن أرضا جديدة، وسترون كيف تنكشف كفاءاتهم للناس. لما صار أبو بكر خليفة للنبي ﷺ مذهب شخص إلى مكة، وحضر مجلسًا فيه والده أبو قحافة. فسأله أحوال المدينة، فأخبره بوفاة النبي الله فقال ماذا فعل المسلمون بعده؟ قال قد بايعوا رجلا منهم. فسأل: يكون هذا الذي بايعوه؟ قال: أبو بكر. فقال أبو قحافة في حيرة من هو أبو بكر هذا؟ فأجاب ابن أبي قحافة. فقال: من أبو قحافة؟ قال: أنت فبدأ أبو قحافة يذكر له أسماء القبائل المختلفة ويسأله: أبايع من هؤلاء أبا بكر؟ قال: نعم، حتى قال: هل بايعه بنو هاشم؟ قال: نعم. وكان أبو قحافة قد أسلم في الظاهر ولما يدخل الإيمان في قلبه، فأطرق رأسه برهة وهو صامت ثم رفعه وقال أشهد أن محمدا رسول الله. فكان هذا اليوم يوم صفاء إيمانه، حيث أصبح على بصيرة من صدق الإسلام. فترى أنه ما كان ليخطر ببال أبي قحافة أبدًا أن ترضى جميع القبائل العربية بأبي بكر خليفةً وملكا عليهم. وكان الرجل مصيبا في تفكيره، لأن أبا بكر الذي قد رباه و رآه لم يكن ليصلح لذلك المنصب العظيم بادي الرأي، ولأن التربة التي كان أبو بكر ينبت فيها من قبل كانت غير منسجمة مع فطرته كلية، ولكن الله تعالى حين نزعه من تلك التربة وزَرَعَه في تربة أخرى ملائمة لفطرته، أخذ نباتُ روحه في النماء والازدهار حتى أصبح دوحة كبيرة. فإنك لو حاولت زرع شجرة المانجو مثلا في منطقة كشمير فلن تنبت هناك، وإذا حاولت زرع شجرة التفاح في منطقة البنجاب فلن تؤتي ثمرًا جيدًا، كذلك فإن الأرواح الطيبة بحاجة إلى أرض طيبة تلائمها، والأرض الطيبة بحاجة إلى أشجار طيبة تلائمها. ففي أرض الكفر ما كان لينبت إلا أمثال عتبة وشيبة وأبي جهل، لا أبو بكر، وأما في أرض الإيمان فما كان لينبت إلا أبو بكر ، لا عتبة ولا شيبة ولا أبو جهل، إذ كانوا أحقر شأنا من بل من الكلأ والحطام في هذه الأرض الطيبة. هذا هو المعنى الذي تشير إليه سورة العشب