Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 7)

by Hazrat Mirza Bashir-ud-Din Mahmud Ahmad

Page 404 of 914

Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 7) — Page 404

من ٤٠٣ سورة النمل الجزء السابع و لم تكن هذه الشجاعة منحصرة في الرجال فحسب، بل تحيرني دائما التضحية التي قدمتها إحدى الأمهات. لما وقعت معركة القادسية في العراق ضد الفُرس في عهد عمر ، أتى كسرى بالفيلة في الحرب فأخذت إبل المسلمين تنفر منها، فلحقت بهم أضرار جسيمة فادحة، وقتل الكثير منهم. فقرر المسلمون ذات يوم ألاّ ينسحبوا من ساحة القتال ما لم يهزموا العدو. وجمعت الصحابية الخنساء – رضي الله عنها - أبناءها الأربعة وقالت لهم: يا بني، لقد أهلك أبوكم كل ما كان يملك مال وعقار، وألجأني للذهاب إلى أخي ليعطيني مما عنده، فذهبت إليه، فأكرمني وأعطاني نصف ما يملك من المال، فأخذته ورجعت إلى أبيكم، وقلت له: خُذ هذا المال وعش براحة. ولكنه أضاعه أيضًا، فاضطرني للذهاب إلى أخي ثانية، فذهبت فأَعزَّني وأكرمني وأعطاني نصف ما بقي عنده من المال. فرجعت به، ولكن أباكم ضيعه أيضا، فاضطررت إلى العودة إلى أخي مرة ثالثة، فأعطاني نصف ما بقي عنده من المال، ولكن أباكم ضيّعه أيضًا، فمات بدون أن يترك وراءه شيئًا. وكنت لا أزال في شبابي، ولو أصبحتُ بغية بحسب تقاليد المجتمع العربي لما كان علي من لوم، إذ لم يحسن إلي أبوكم في حياته ولم يترك لي بعده مالاً، لكني حافظت على عفافي من أجلكم. فإن لي حقوقا كثيرة عليكم، وسيقع غدًا بين الكفر والإسلام قتال مرير حاسم، فإذا رجعتم من القتال غير منتصرين فسأقول لربي إن أبنائي لم يؤدوا لي حقوقي وأنا لا أتنازل عنها. وبعد تحريض أبنائها على القتال، خرجت إلى البرية قلقة وخرّت أمام الله الله في انفراد ساجدةً باكية وقالت: رب، قد أرسلتُ أبنائي الأربعة ليموتوا في سبيل دينك، ولكنك قادر أن تعود بهم أحياء. فاستجاب الله دعاءها، وكتب الله بفضله الفتح للمسلمين ورجع أبناؤها كلهم أحياء. (الطبري، والاستيعاب: باب النساء وكناهن، باب الخاء: خنساء بنت عمرو السلمية) لم تكن هذه الشجاعة والبسالة إلا نتيجة الإيمان بالآخرة. لقد كانوا موقنين أن نجاة العالم منوط بالإسلام، فكانوا يقولون: إذا متنا فلا حرج ولا ضير، لأن الدنيا ستحيا بموتنا، ولأن الإسلام سيصبح غالبًا بتضحياتنا.