Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 6) — Page 610
الجزء السادس 7. 1 سورة الفرقان مناسبة وبمقتضى كل ظرف فكيف يصح القول أن أحدًا كان يختلق آية جديدة في كل مناسبة. فثبت أن نزول القرآن الكريم بالتدريج قد كان تثبيتًا لفؤاد الرسول حقا، وكل يوم جديد يطلع عليه ﷺ كان يزيده إيمانا وعرفانًا. ثم يقول الله تعالى وَرَتَّلْنَاهُ تَرتيلاً. . أي أننا قد جعلنا للقرآن الكريم ترتيبا رائعا أيضًا. . بمعنى أن القرآن الكريم قد نزل بترتيب كان ضروريًا لأهل عصر الرسول ﷺ، ولكنا قد جعلنا له ترتيبًا آخر ينفع الناس في المستقبل حسب ظروفهم. إن هذا الترتيب أيضًا دليل على أن القرآن الكريم ليس من تأليف بشر، بل هو تنزيل من الله تعالى؛ إذ لو كان القرآن الكريم من تأليف بشر لجعل له ترتيبا واحدًا وألّفه بحسب ترتيب تقتضيه الظروف التي يمر بها، ولكن لما كان القرآن الكريم تنزيلا من الله عالم الغيب، وكان هداية للناس إلى يوم القيامة، فجعل تعالى بحكمته الكاملة ترتيبًا لنزوله وترتيبًا آخر لتدوينه وتحريره. لقد كان ترتيبه النزولي بالنظر إلى حاجات القوم المعاصرين للقرآن الكريم دفعا لشبهاتهم وحلاً لمسائلهم، أما ترتيبه من ناحية التدوين فكان بالنظر إلى حاجات الأجيال المسلمة التالية التي يجب أن تكون مطلعة على مسائل الدين إلى حد كبير، لكونها قد ولدت في بيوت مسلمة، أو لتواجدهم بين جماعة من المسلمين فما كانت المسائل التي نقاشها ضروريًا في أوائل قيام الإسلام تشكّل لتلك الأجيال أهمية كبيرة. فمثلاً إن جميع المحدثين والمؤرخين متفقون على أن أول ما نزل من القرآن الكريم على الرسول ﷺ هو قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (البخاري: باب كيف كان بدء الوحي؛ ولكن هذه الآية مدونة في الجزء الأخير من المصحف، بل في أواخر الجزء الأخير أيضًا. فشتان بين أن يبدأ نزول القرآن الكريم بهذه الآية وبين أن تدون في أواخر الجزء الأخير من المصحف. وهذا يدل على أن الحكمة الربانية اقتضت أن يكون القرآن الكريم بترتيبين ترتيب كان ملائما لظروف المسلمين الأوائل وحاجاتهم، وترتيب آخر كان بحسب حاجات المسلمين الذين يأتون بعد اكتمال نزول القرآن الكريم. ولذلك لم يقل الله تعالى في أول وحيه (اقرأ)، ولم يقل "اقرأ هذا الكتاب"، إذ لم يوجد هناك كتاب بعد، ولكن في الزمن الذي كان