Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 6) — Page 608
الجزء السادس ٦٠٦ سورة الفرقان فاطمأن النبي بالاً وأيقن بأن هذا الكتاب لن يضيع الآن، بل صار محفوظًا إلى يوم القيامة. ولهذا السبب نفسه قد وجد في عهد النبي ﷺ حفاظ كثيرون للقرآن الكريم، ولكن لا يوجد حفاظ الآن بنفس الكثرة، وليس ذلك إلا لأنه كان ينزل قليلا قليلا، فكان الناس يحفظونه عن ظهر قلب بسهولة. والحكمة الثالثة أن القرآن لو نزل دفعة واحدة لما رسخ تعليمه في قلوب ثالثا: الناس كما ينبغي. فمثلاً عندما يدخل أحد من الهندوس في الإسلام اليوم يجد حوله أناسًا مسلمين يعملون بأحكام الإسلام، فلا يجد قلقا ولا مشقة في العمل بالقرآن الكريم، ولكن لو ألفنا كتابًا جديدًا دفعة واحدة، وسألناه أن يعمل به بدون أن يكون أمامه نموذج للعاملين به يحتذي بهم لما استطاع العمل به حتى في قرن من الزمان. إذا، فقد كان ضروريًا لترسيخ تعليم القرآن الكريم في القلوب أن ينــزل تدريجيا، وأن لا ينزل حكم ثان إلا بعد أن يتعلم الناس العمل بحكمه الأول، وهلم جرا، وهكذا يتم تدريبهم على الأحكام كلها. رابعًا لو نزل كل القرآن الكريم دفعة واحدة لجعل الله تعالى له نفس الترتيب الموجود حاليا، ولكن إنزاله على الترتيب الحالي كان خطيرًا في تلك الظروف، تماما كما أن الترتيب الذي نزل به القرآن خطير لنا اليوم. فمثلا لو بدأ القرآن بأحكام الصلاة دون أن يثبت صدق نبوة الرسول ل لم يستوعب المسلمون تلك الأحكام، لذا كانت الحاجة عندئذ إثبات ألوهية الله تعالى وتوحيده ونبوة الرسول أولاً، وكان ضروريًا أن يبين الله تعالى لهم أنه موجود، وأنه واحد أحد، وأن محمدا رسوله الحق ثم بعد ذلك كان من المناسب أن يُدعوا إلى شتى الأعمال والأحكام من صلاة وغيرها ولكن ذلك الترتيب ليس ضروريا الآن إذ توجد هناك جماعة كبيرة من المؤمنين بالله ورسوله، وكل من يدخل في الإسلام يدخل بعد الاطلاع على صدق النبي ﷺ ومحاسن الإسلام، لذا فهو بحاجة إلى الترتيب الحالي للقرآن.