Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 6) — Page 207
الجزء السادس ٢٠٦ سورة المؤمنون وهناك نوع آخر من هؤلاء الطاعنين، فهم يرون أن الكفاءات والقدرات التي تتطلبها النبوة لا تتوافر في أي من البشر. فإنهم جاهزون لاتباع كائن يفوق البشر في قواه وقدراته ولكن من المحال أن يتبعوا بشرًا مثلهم محتاجا إلى الحوائج البشرية، يأكل كما يأكلون ويشرب كما يشربون. إن هؤلاء القوم لا ينكرون نزول الوحي من عند الله تعالى، إلا أنهم ينتظرون كائنا مزودا بقدرات تفوق قدرات البشر، لذا فإنهم يرفضون أنبياءهم. = إذًا، فهذا الاعتراض يثار لعدة وجوه. بيد أن الله تعالى لم يزل يبعث الرسل من البشر دائما وأبدا ذلك لأن كل إنسان يكون بحاجة إلى القدوة والنموذج، ولو كان الأنبياء مزودين بكفاءات وقدرات تفوق قوى البشر لما كانوا أسوة للآخرين؛ إذ سيقول لهم الناس بكل بساطة إنما تعملون بهذه الأحكام الإلهية لأنكم قد أوتيتم قدرات غير عادية، ولو كانت لديكم قدرات كمثل قدراتنا لما عملتم بهذه الأحكام. ودفعا لهذا الاعتراض لم يزل الله يبعث البشر أنفسهم رسلاً، ليكونوا نموذجا للناس حتى لا يكون لهم عذر يوم القيامة، وحتى يقيم الله عليهم الحجة قائلا لهم ما دام هؤلاء الذين كانوا بشرًا مثلكم قد عملوا بوصاياي واتبعوا هداي، فكيف يحق لكم أن تقولوا الآن أن العمل بتلك الوصايا والأحكام كان أمرًا مستحيلاً علينا. كلا، بل إنه عذر عار عن الصحة، وإنه خليق بكم أن تعاقبوا. إذًا، فلا بد للناس من أن يأتيهم رسول بشر مثلهم دائما، ولكن المؤسف أن الإنسان يبحث دائما عن الأعذار التافهة، ويخالف أحكام الله تعالى بشتى الحيل والحجج. أما قولهم إن هيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ فقد بين الله فيه السبب الثاني لإنكارهم للأنبياء، وهو أنهم يكونون منكرين للبعث بعد الموت، مما يحرمهم من الإحساس السليم بما يأتونه من أعمال سيئة أو خيرة. فلا يزالون سائرين على دربهم مغمضي العين، ظانين أنه ليس لهم في الدنيا إلا أن يأكلوا ويشربوا ويتمتعوا بملذات الحياة التي هي أيام معدودات، لذا فإن هؤلاء يصابون بهزة عنيفة حين يأتيهم رسلهم برسالة الله تعالى ليحدثوا في عقائدهم وأعمالهم