Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 561
الجزء الخامس ٥٦٢ سورة طه في أي ضيق مالي، بل إن أغلبهم أحسن معيشة بكثير من المسلمين، حيث تيسرت لهم أسباب الراحة والرخاء بكل أنواعها! وليكن معلومًا أن المعيشة تعني ما به قوام الحياة الإنسانية (الأقرب)، والحياة الإنسانية لا تقوم بالأكل والشرب والمال والثراء فقط، بل هناك مئات الأشياء التي لا بد منها لإصلاح حياة الإنسان دينيًّا وحضاريا وروحانيا. وهذه هي الأشياء التي لا تتيسر لمن يعرض عن المنهج الإلهي، مما يضيق عليه عيشه جدا. الحق أن سعة العمل إنما تتيسر للإنسان بإيمانه بصفات الله تعالى وإحداث التغيير في نفسه بحسبها، أما الذي لا يؤمن بصفات الله تعالى فإن نطاق عمله يظل ضيقًا محدودًا جدا. إن دائرة عمل الإنسان تتسع دائما إذا كانت الغاية سامية، وإذا لم تكن لأحد غاية عالية ضاقت دائرة عمله. ومن أجل ذلك نجد أن أخلاق الفلاسفة تكون رديئة جدا مقارنة بأخلاق الأنبياء. ثم إن دائرة ما عندهم من أخلاق قليلة أيضا تكون ضيقة للغاية. خذ مثلاً النبي ، حيث تجده متخلفا جميع الأخلاق الفاضلة وفي أروع صورة. فتجده ذروة في الصدق، والأمانة، والسخاء، والرحمة، ورعاية الفقراء، والإنصاف والتوكل، ورحابة الصدر، والحلم، واحترام مشاعر الآخرين، وحسن معاشرة النساء، وخدمة الإنسانية، والصبر، والتسامح، والتعاون، والشجاعة والوفاء بالعهد وآلاف غيرها من الأخلاق الحسنة. ولكنك لن تجد أيًّا الفلاسفة جامعا للأخلاق الفاضلة كلها، بل ستجد بعضهم متحلّيًا بواحد أو اثنين من هذه الأخلاق، وفي نطاق محدود جدا. إنما سبب ذلك أن الإنسان إذا لم يكن له غاية سامية يصبو إليها، وإذا لم يكن أمامه أسوة حسنة كاملة يتأسى بها، فتبقى أعماله محصورة في دائرة ضيقة، ولا يمكن أن تتسع. وبما أن منكر الوحي الإلهي لا يسعى للتحلى بالصفات الإلهية نتيجة إعراضه عن الله تعالى، فإنه لن يقدر على معرفة صفات الله تعالى حين ظهورها يوم القيامة، بل سيقف إزاءها كالعميان؛ مثله كمثل الذي لم ير في حياته البطيخ قط، فإذا وضعت أمامه البطيخ لن يعرف أنه بطيخ. فسيقول يوم القيامة مذعوراً: لم بُعثتُ اليوم أعمى وقد كنت بصيرًا؟ فيقول الله له كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم من