Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 4) — Page 205
الجزء الرابع ٢٠٥ سورة النحل نزعة العصبية والانحياز بشكل أو آخر بسبب حبهم لأحد أو لبغضهم لآخر، وأن كل القوانين والتعاليم التي يسنّها البشر يعوزها العدل الكامل دائمًا، حيث يسلبون بها حقوق البعض ويمنحون البعض الآخر أكثر مما يستحق. فثبت أنه من المستحيل لأحد أن يسن قانونًا خاليًا من العيوب إلا الله الذي ليس بحاجة إلى أحد، بل الجميع عباده وسواسية عنده. كم هي جلية هذه الحقيقة إذ لا يزال الإنسان يسن القوانين منذ آلاف السنين، ولكنه يهضم فيها حقوق البعض ويمنح البعض أكثر من حقهم. يمكن أن تنظروا إلى الخلافات السياسية السائدة في العالم فبعض الحكومات تسلب حقوق العمال وبعضها الأخرى تعطيهم كل شيء وتنهب من الآخرين جميع حقوقهم الإنسانية. ذلك لأن الإنسان عبد العواطفه التي لا بد أن تؤثر فيه حينما يسن أي قانون، فلا يراعي عواطف جميع الناس ولا مشاعرهم، بل إنه لا يستطيع ذلك. وعلى سبيل المثال، من يميل إلى الرهبانية يرى الكفَّ عن التمتع بنعم الدنيا عملاً حسنًا، بينما الطمّاعُ في الدنيا يعتبر الرقي المادي هو الحسنة بعينها. فلا يمكن إذن أن يخلو من عيب الإفراط والتفريط سوى التعليم الذي ينزل من عند من خلق البشر، والذي يعلم بما في البشر من مشاعر وأحاسيس، فيراعي في تعليمه مشاعر الجميع إلى حد معقول. لقــد تــبين مما سبق بيانه أنه لا بد أن يكون كل وحى سماوي متحليا بالمزايا الست التالية: ١ - أن ينفع ككساء يقي من تأثيرات الحر والبرد، أي أن يكون خاليا من الإفراط والتفريط؛ فلا تكون فيه برودة قلة الحب الإلهي، كما يجب أن لا تكون فيه حرارة الظلم والعدوان باسم الدين بحيث يُكره الناس على قبوله قسرا؛ بل من واجب الوحى أن يولّد حب الله حل في قلوب المؤمنين من جهة، ومن جهة وعمل أخرى يدعوهم لاتباع الطريق الوسط في سلوكهم.