Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 3) — Page 85
الجزء الثالث ٨٥ سورة يونس مهل، لكي يهتدي منهم من كان له نصيب من الهدى وقال في هذه الآية: لا ننزل ثم العذاب على مهل فحسب، بل لا ننزله دفعة واحدة وإنما نصيبهم بقسط منه نرفعه لكي يدركوا أن تكذيب الرسل يعرّض الإنسان للعذاب، وأن العذاب قادم لا محالة عليهم وبالتالي يرتدعون عن سلوكهم المشين ويكفون عن الظلم والعدوان. ولكن أصحاب الطبائع الشريرة لا يبالون بهذا النصح والإنذار، وإنما دأبهم أن يرتدعوا قليلاً عند نزول العذاب وما أن نخففه عنهم حتى يستأنفوا التنكر لآياتنا ورسلنا من جديد. والحق أننا أشد منهم عذابًا وأسرع منهم مكرًا، ولكنا نؤجله عمدا، فلا أعمالهم خافية علينا حتى نعجل بالانتقام منهم خوفًا من نسياننا إياها، كما أنه لم يضق بنا الوقت لإنزال العذاب عليهم بحيث نخاف أننا إذا لم نعاقبهم في وقت معين فلن نقدر على عذابهم في موعد لاحق. كلا بل إننا لقادرون على ضربهم في أي وقت نشاء، كما لا تخفى علينا منهم خافية وإن أخفوها. كما تبين الآية أيضا أن من فطرة الإنسان أنه إذا أنعم الله عليه برحمة من لدنه ظن أنه سيعيش على الدوام دائما في راحة ورخاء، مع أنه لو فكر وهو في هذا اليسر والرخاء في ساعة العسر والبلاء ودبّر لها لنال راحة أطول ورخاء أكثر. ومن المؤسف أن المسلمين لم يعوا هذا الدرس القرآني أيضا، فكان مآلهم هذا الذل والهوان، بل إنهم لا يعملون به اليوم، إذ لا يحافظون على أموالهم وثرواتهم بحكمة وتعقل، بل يبذرونها تبذيرا، أو يبخلون بها وقت الإنفاق، والنتيجة في الحالتين واحدة: الهلاك والدمار. إن الآية تحمل أيضًا ردًا على تساؤل الكفار السابق: إذا كان محمد صادقا في دعواه فلماذا لا يأتينا بالآية أي بالعذاب؟ فأجاب الله فيها : لقد أنزلنا صنوفا من العذاب، ولكننا نردفه برحمة منا عملاً بسنتنا المستمرة، ولكنكم سرعان ما تنسون العذاب لشقاوة قلوبكم وتأخذون في المطالبة به من جديد. وإنه لمما يبعث على الأسف أن المسلمين اليوم مصابون بهذا الداء أيضا. تحل بهم