Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 3) — Page 604
الجزء الثالث الرجل صادقًا ٦٠٤ سورة إبراهيم في قوله وفيًّا بوعده هل تجدون نظيرا لهذا الوفاء في تاريخ الأمم الأخرى؟ وكما ذكرت فإن الكتاب الإنجليز أيضًا قد دوّنوا حادث هذا المسلم العربي في قصصهم وروائعهم الشعرية. : وإليكم مثالاً آخر لقد سجل التاريخ أن المسلمين فتحوا الأراضي السورية أول الأمر، ولكن بعضها وقعت مرة أخرى في أيدي المسيحيين، فاضطر الجيش المسلم للانسحاب، فأمرهم سيدنا عمر له بإرجاع الضرائب لأهل المنطقة. فردوها إليهم معتذرين لهم بقولهم: ما دمنا لا نستطيع الدفاع عنكم فلا يحق لنا أخذ الضرائب منكم. وكان أهل المنطقة من المسيحيين، وكان الغزاة الجدد من إخوتهم المسيحيين أيضًا، إلا أنهم تأثروا من حسن معاملة المسلمين لدرجة أنهم جاءوا إلى خارج المدينة لتوديع المسلمين، وهم يبكون على مغادرتهم قائلين: لو كان الجيش المسيحي مكانكم لسلبوا ما بأيدينا بدلاً من أن يردوا إلينا الضرائب كما فعلتم. ثم إنهم دعوا الله بأن يعيد المسلمين إليهم حاكمين مرة أخرى. آه، ما أبعد الشقة بين مسلمي ذلك العصر وبين مسلمي اليوم. لقد كان المسلم عندئذ أكثر أهل الأرض أمانةً ووفاءً وسلما. أما اليوم فإن علماء المسلمين أنفسهم قد أفتوا بسلب أموال غير المسلمين واعتبروا الغدر بالحاكم غير المسلم من صميم الإيمان، كما أفتوا أن قتل غير المسلم ثواب ومكرمة. وبالاختصار، فما من حسنة كانت تعتبر مفخرةً وشرفًا للمسلم إلا وقد انعدمت اليوم في المجتمع الإسلامي. إنا لله وإنا إليه راجعون. يا ليت جماعتنا تدرك حجم المسئولية الملقاة عليها وتسترد للإسلام مجده الغابر حتى ترى الدنيا مرة أخرى غلمان محمد رسول الله ﷺ متحلين بالأخلاق المحمدية الفاضلة بحيث يجد الرائي في وجوههم تجليا لوجه الله تعالى. فيجب أن يكونوا أمناء للغاية بحيث يُؤثرون الموت لأنفسهم ولأهليهم جوعًا على أن يخونوا أمانات الآخرين؛ وأن يكونوا صادقين جدا بحيث يضحون بالحياة والمال والمنصب والوظيفة ولكنهم لا يتفوهون بكلمة كذب واحدة؛ وأن يكونوا أوفياء بحيث إذا عاهدوا عهدًا