Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 3) — Page 45
الجزء الثالث ٤٥ سورة يونس الأمر عمدا وقصدًا، وجمع الشيء أيضا. فأشار باستخدام كلمة يكسبون إلى أمرين: الأول: أن الآثم من يتهافت على قذارة المعصية عمدًا وقصدًا، أما إذا صدرت عن الإنسان سيئة ما خطأ أو نسيانا فلن تُعد إنما في الحقيقة، ولن يُعتبر مرتكبها آثما حقيقيًا في مصطلح الشرع الإسلامي. والثاني: يلزم لاعتبار الشخص أنما حقيقيًا أن يجمع الإثم أي أن يرتكبه على التوالي والتواتر، أما إذا لم يرتكبه بشكل متتال ومتواتر وإنما صدرت منه المعصية-ولو عمدا ولكنه بادر إلى إبداء الندامة والتوبة عنها وتركها فلن يكون هو أيضا من الآثمين. ذلك أن "الكسب" يتضمن معنى الجمع والتواتر، وبناء على ذلك فإنما الآثم المستوجب للعقوبة في الشرع الإسلامي هو من ارتكب الجريمة عمدًا وأصر على ارتكابها غير تائب عنها. وقد شرح الله الله هذا الأمر في آية أخرى أيضا إذ قال الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْم وَالْفَوَاحِشَ إِلا المَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسْعُ الْمَغْفِرَة) (النجم: ٣٣) أي سوف يصفح الذين يجتنبون المعاصى الكبيرة والعيوب الواضحة الفاضحة، اللهم إلا أن يقعوا فيها آنها - هو المكان مرة ثم يقلعوا عنها نهائيا، فان ربك لذو مغفرة واسعة. وأما العقوبة فقال عنها: مَأْوَاهُمُ النَّارُ، والمأوى - كما الذي يلوذ به الإنسان. ويتعجب المرء كيف أن الله تعالى يسمي النار هنا مكانًا يلوذ به هؤلاء العصاة، ولكنه يُدرك بقليل من التدبر أن الله تعالى قد وضح بهذه التسمية حقيقة العقوبة الإلهية. فإن عقاب الله لا يهدف في الواقع إلى إيذاء العاصي وإنما إلى علاجه وشفائه. وكما أن الإنسان يكره في بداية الأمر الأذى الذي يصيبه عند العلاج ولكنه يرغم نفسه على تحمله وقبوله حينما يدرك أن هذا خير له في عاقبة أمره، كذلك حقيقة العذاب الإلهي عندما تنكشف على العصاة تماما فسوف يعتبرون النار التي يُلقون فيها مأوى لهم: أي ملاذا ومنجى من العذاب الحقيقي الذي هو سخط الله والحرمان من قربه سبحانه وتعالى. فباستخدام "المأوى" صرّح أن العقاب الإلهي ليس للإيذاء وإنما هو وسيلة للتطهير، وهو الوسيلة الوحيدة لتطهير العصاة ونجاتهم.