Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 2) — Page 359
مع ٣٥٩ سورة البقرة الجزء الثاني غيرهم. فالمراد من اللعنة هنا. . هو صوت الفطرة الإنسانية الذي ينبع من القلب. مثلا: إذا ذكرت السرقة أمام سارق فإنه على الفور يحكم بأن اللصوص قوم أشرار، أنه نفسه يقع في جريمة السرقة، ذلك أن فطرته تلومه وتخطئه. وكذلك المراد من اللعنة هنا أن كل إنسان صالحا كان أو طالحا فإنه بفطرته يلعن الكفار علـــى أفعالهم. حتى المجرم، وإن كان لا يلوم نفسه، إلا أنه يلوم الجريمة ويعتبرها شــــرا. . وهذه هي اللعنة إن الله وعباده أصحاب الصفات الملائكية يلعنون الكفار لعنة علنية، أما الناس الآخرون فيلعنونهم من حيث الفطرة والمبداً. فليس هنــاك قـوم يعتبرون الكذب عملا حسنا، أو الغيبة أمرا طيبًا أو السرقة فعلا صالحا أو الاغتيال أمرًا محموداً. أما على صعيد الفرد فكلما ارتكب أحد شيئا منها فإن نفسه تلومه عندئذ وتقول: لقد ارتكبت عملا شريرا فسواء اعتبروا عملهم شرا أم لا. . لو رأوا أحدا يرتكب هذا الفعل فلا بد أن يعتبروه سيئا. هذه هي اللعنة المرادة هنا، وهي لا تنمحي أبدا، لأن الفطرة الإنسانية تؤيدها. وقوله تعالى (خالدين فيها. . أي هذا مبدأ أبدي لن يتغير. لقد جاءت الفلسفات واحدة بعد الأخرى، وتوالت الحضارات. . ولكن أوروبا اليوم أيضا تقول أن الكذب سيئ، والظلم ،شر، والسرقة مشينة والغيبة مكروه. . فاللعنة علـــى هـذه الشرور هي كما هي ولن تتغير هذا ما تؤكده أيضا فلسفة اليونان والفرس وغيرهما. فهو مبدأ غير قابل للتغير. فإذا جاءت حضارة جديدة غدا فلسوف تقرر نفس المبدأ ولن تخالفه. وقوله تعالى (لا يخفّف عنهم العذاب ولاهُم يُنظَرون يبين أن أعمال منكري الأنبياء عندما تتجاوز الحدود. . فمن سنة الله محاصرتهم بالعذاب السماوي. وهذا العذاب لا يُخفف عنهم ولا يُمْهَلون. نعم، يُعطون فرصة للتوبة قبل نزول العذاب، ولكن إذا لم ينتفعوا من رحمة الله، وأصروا على الرفض، واستمروا في استهزائهم بالآيات السماوية، فيُصب عليهم سوط العذاب الإلهى، وعندئذ لا يجديهم صراخهم وعويلهم نفعا.