Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 2) — Page 218
۲۱۸ سورة البقرة الجزء الثاني ومن محاسن اللغة العربية أن تغيير حرف الجر مع الفعل يأتي بالمعنى المضاد له. فعبارة (يرغب إلى تعني يحب ويشتاق، (ويرغب عن) تعني ينفر ويبتعد ويُعرض. والحـــــق أننا لو تدبرنا بعمق وجدنا أن العواطف المغايرة تنبع من منبع واحد، وشكله المغاير إنما يدل على اختلاف في الكيفية والأسلوب وليس على اختلاف في الحقيقة. إن الرغبة والكراهة في الحقيقة عاطفتان من نوع واحد والاختلاف هنا فقط في كيفية ظهور العاطفة. ولنأخذ الرغبة مثلا، فعندما يرغب الإنسان في شيء يتجــه إليـه ويقترب منه، وفي نفس الوقت يبتعد عن غيره. . وهذه الكراهية. كأن هي الرغبة هو الحب ومنبع الإعراض أيضا الحب. كذلك الشجاعة والجبن فدافعهما حماية النفس، فعندما يهاجم الإنسان شيئا يكون الدافع حماية نفسه، وعندما يفر من العدو فأيضا لحماية نفسه منه، ولكن الأسلوب في كلا العملين مختلف. فباستخدام (عن) و (إلى) أشار إلى أن كثيرا من العواطف تصدر من منبع واحد والاختلاف فقط في كيفية التعبير عن هذه العاطفة. منبع من معاني سَفِهَ نَسي، فمعنى قوله تعالى (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) أنه لا يُعرض عن دين إبراهيم إلا من أغمض عينه كلية عن مصالح نفسه. والحق أن ترك الإنسان سنة الأنبياء لا يضر الأنبياء شيئا وإنما يضره هو. يمكن أن ينتفع الإنسان بالابتعاد عن ملك ظالم ، ولكن الذي يترك ملكا عادلا لا يضر الملك وإنما يضر نفسه، لأنه حرمها من عدل الملك وخيره. كذلك الإنسان الذي لا يتبع الأنبياء ولا يتأسى بأسوتهم فإنما يضر نفسه، لأنه يُحرم من تلك المنافع التي تنــــال باتباعهم. لقد ذكر الله من قبل النموذج الذي قدمه إبراهيم حيث نجح في الابتلاءات والاختبارات ولبى كل دعوة من الله تعالى، حتى إذا قيل له: اصحب ابنك وزوجتك واتركهما في برية ليس فيها قطرة ماء ولا حبة غذاء. . قام بلا أدنى تردد أو شكوى، وقطع مسافة مئات الأميال، وترك أهله وابنه في واد غير ذي زرع، ورجع بنفسه. وبعد عرض هذا النموذج الإبراهيمي العظيم الشأن يقول الله تعالى : كل من يعرض عن هذه السنة الإبراهيمية ولا يقوم بالتضحيات التي يطالب بها في سبيل الله. . ويظن أنه أحسن إلى نفسه وأنقذ ماله من التلف، وصان أولاده