Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 323
الأقطار الفكرة الأساسية واحدة بشيء من التنوع الذي يحصل بسبب تعدد وتنوع البيئات في مختلف الأمصار. وكذلك مسألة التوحيد لا يمكن القول بأنها نشأت في قلوب أهل قطر واحد. فالمشاهد عمليًا أن كثيرًا من المسائل العملية قد بحثت في وقت واحد وفي بلاد مختلفة دون أن يرى أحد بما يقوم به. الآخرون ووصلوا إلى نتائج متشابهة؛ و لم يدعي أحد أن هناك سرقة علمية، ولكن قالوا أنه توارد أفكار. لذا لا القول بأن يصح بأن فكرة التوحيد نشأت عند المصريين ولا يمكن أن تنشأ عند غيرهم، وأن موسى مصري لأنه نشر التوحيد. ثم لو سلمنا جدلاً بصحة قولهم، فهل من السنن الكونية أن الفكرة المصرية لا ينشرها إلا المصري؟ هل من المحال أن يقبلها إسرائيلي وينشرها في قومه؟ الله سة نفس كانت هذا الرد من حيث النقد العلمي المحض، وإلا فإن موسى لم يذكر قط أنه مخترع فكرة التوحيد، كما لا يقول بذلك الإسلام. فكل الأديان متفقة على أن الأنبياء لا ينشرون أفكارهم وإنما ينشرون وحي تعالى، وأن فكرة التوحيد هي من تعليم الله للناس بالوحي منذ بداية العالم. إذا كان الله تعالى واحدًا، و لم يزل منذ البداية يترل ،وحيه فمن البديهي أنه سيقول لكل نبي بأنه ،واحد، ومن المحال أن يوحي لأنبيائه السابقين بتعدد الآلهة، ثم يقول لإخناتون أنه واحد. لقد انخدع هؤلاء بسبب عدم فهمهم للوحي وحقيقته. إن الدين إنما يتأسس على الوحي، وإذا لم يكن قائمًا على الوحي فلن يكون إلا وسوس وهراء، وتكون شخصية موسى لا قيمة لها سواء كانت من المصريين أو بني إسرائيل أو غيرهم. عظمة موسى وأهميته بما نزل عليه من وحي إلهي. وإذا سلّمنا بالوحي الإلهي فلا بد من الاعتراف أن التوحيد كان العنصر الأعظم من تعاليم جميع الأنبياء. وما كان الله تعالى لينتظر ظهور أمنحتب (إخناتون) لإظهار وجوده ووحدانيته سبحانه وتعالى. نجد القرآن الكريم يقول لأهل مكة إن جدكم إبراهيم كان موحدًا وأنه كان قبل موسى بلا شك. ورغم أن أهل مكة كانوا مشركين، لكنهم لم يجرؤوا على إنكار ما يقوله القرآن، حيث لا نجد واقعة واحدة في التاريخ أنهم قالوا ولو كذبا أن إبراهيم كان مشركا مثلهم. وهذه شهادة تاريخية بأن قريشا الذين كانوا يعيشون بعيدا عن بني إسرائيل وكانوا يعتبرون أنفسهم من نسل إبراهيم، يقرون بإن إبراهيم الة كان موحدا. فإذا كان موسى كما يقولون قد تعلم التوحيد من أمنحتب المصري فمن علم إبراهيم التوحيد؟ فادعاؤهم ليس صحيحا إطلاقًا، بل الواقع أن التاريخ يخبرنا بأن فكرة التوحيد كانت موجودة منذ الزمن القديم، لأن الوحي الإلهي قد حفظ بذرة التوحيد حية في كل أنحاء الدنيا. فليس الشرك هو الذي ولّد التوحيد، وإنما جاء الشرك بعد التوحيد في زمن الضلال والانحطاط. دليلهم الثالث: ۲۷۲