Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 227
والدنو من الكمال بحيث تترك أفعاله هذه أثرا سيئا في قلبه، فلذلك أراد الله تعالى أن يترل على البشر وحيه، فيصطفي آدم من بينهم خليفة ليقود البشرية إلى مكانتها المرموقة، ويسعى إلى تلك المثل العليا التي أصبح الإنسان أهلا لها. وهنا نقطة جديرة بالذكر. . فكل ما قاله عز وجل عند استخلاف آدم قول صحيح تماما. . وتساؤل الملائكة أيضًا تساؤل صائب. . والاختلاف بينهما إنما هو من ناحية وجهة النظر فقط. فالله تعالى كان يرى من استخلاف آدم تجليا عظيما لظهور سيدنا ومولانا محمد. . فآدم هو المرحلة الأولى لوضع البشرية على طريق الكمال الذي يصل إلى ذروته في شخص خاتم النبيين ، بينما كانت الملائكة تخشى على البشرية من أجل مظاهر الشر المصطبغة بصبغة أبي جهل وأمثاله. إن تأسيس الخلافة سيكون مدعاة لإنزال العقاب بطائفة معدودة من المفسدين والقاتلين، ولكن هناك طائفة أخرى قدر لها أن تتفوق على الملائكة أنفسهم، وتنال محبة الله والقرب منه. وهذه الطائفة الناجحة أحد هي الغاية من خلق هذا المجتمع الإنساني المنظم. ولوجود هذه الطبقة الممتازة من البشر. . لا يجرؤ على الادعاء بفشل النظام البشري، بل إن كل واحد من أفراد هذه الفئة العليا لجدير بأن يُخلق هذا أجله. وأعلاهم شأنا وأحقهم بذلك. . هو محمد ﷺ، الذي خاطبه الله تعالى فقال له: "لولاك النظام من لما خلقت الأفلاك". الله هذا الحديث القدسي ورد في حق المصطفى ، وقد تلقى أشخاص كمل إلهامات مماثلة. وهؤلاء الأبرار الكاملون لدليل على أن مشيئة هي الحكيمة، وأنه لم يكن لمخاوف الملائكة أي وزن. وقول الملائكة: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك يُبطل الظن باعتراضهم على الله تبارك وتعالى، فهم الحامدون المقدسون، وما كان لحامد مقدس الله أن يعترض على أمر منه عز وجل. . إنما هم يتساءلون عن ذلك لفهم حقيقة الأمر لا غير. ويمكن أن يكون لهذه العبارة معنى آخر، فالملائكة يعبرون بقولهم هذا عن الشك في كمال عبادتهم لله قائلين: إننا نحمدك ونسبحك ونقدس لك بما في وسعنا، ولعل ضعفًا قد حدث في عبادتنا هذه، فاقتضى ذلك خلق كائن آخر يكون ظلا لك. ومن ناحية هذا المعنى لا يكون في قول الملائكة مظنة الاعتراض، وإنما هو مظهر لطيف رائع لخشية الله تعالى، وهو الأجدر بشأن المقربين عنده عز وجل. وقوله تعالى: قال إني أعلم ما لا تعلمون جواب محمل كاف لإقناع أمثال الملائكة المقربين. . لأنهم يعرفون عظمة الله عز وجل. فلما قال تعالى: إني أعلم ما لا تعلمون من المصالح العظيمة في خلق آدم أيقنوا بأنه هو الحق. ثم أراد الله تعالى أن يبين ذلك للأجيال المقبلة من بني آدم، ولذلك أورد جوابا مفصلا كما سنرى في الآيات التالية.