Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1)

by Hazrat Mirza Bashir-ud-Din Mahmud Ahmad

Page 207 of 421

Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 207

ماؤها ويتعفن، أما أنهار المؤمنين فلا يأسن ماؤها. وإن الجنات التي تسعدون بها في الدنيا ليست بنعمة حقيقية، لأن النعمة كل النعمة هي نعمة أهل الجنة الأخروية التي لن يصيبها الخراب. وإن الخمر الذي تستلذون بها في هذه الدنيا إنما هي رجس وآفة تعطل العقل، أما الخمر التي يهبها الله المؤمنين فهي تشحذ العقل وتورث الطهارة والتقوى والعسل الذي تفتخرون به تشوبه الشوائب، ولكن المؤمنين يأكلون في الجنة عسلا مصفى. وإن الأزواج والرفاق الذين تتباهون بهم، إنما هم غير طاهرين ولكن الله يعطي المؤمنين أزواجا ورفقاء طاهرين. إن هذه المعاني السامية البينة لا يدركها ولا يبلغ كنهها إلا كل من يتخلى عن التعصب ويتخلص من الجهالة التي ليس إلى علاجها من سبيل. كان الأجدر بهؤلاء المعترضين النصارى أن ينظروا في كتابهم المقدس حيث قيل لهم: "اكنزوا لكم كنوزا في السماء" (متى ٦: ٢٠). وقيل أيضًا: "فاذهب وبع أملاكك، وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء" (متى ۱۹ : ۲۱). إذا كان ادخار المال في السماء، ولقاء الكتر بعد الموت هناك ممكنا، فكيف كانت الجنات والأنهار والعسل واللبن والخمر التي لا تسكر مخالفة للعقل؟ ولست أريد أبدًا بما سبق من البيان تجريد الحياة الآخرة من الجسم كليًا وكأنها ليست إلا روحانيةً، ولا أن نعمها مقصورة على مشاعر القلب فقط كلا فإن الروح لا بد لها من جسم في كل الأحوال، وإذا كان الجسم المادي الدنيوي يفنى بعد الموت. . فإن الإنسان سيحظى في الحياة الآخرة بجسم يختلف کی عنه كل الاختلاف ولإدراك حقيقة الحياة الآخرة أوجد الله تعالى لنا في هذه الدنيا عالم المنام نقدرها بعض التقدير. وقد أوضح القرآن المجيد العلاقة بين الحياة الآخرة وعالم المنام، وربط بينهما في قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر:٤٣). تدل هذه الآية على أن الموت والمنام متشابهان، وإنما الفارق بينهما أن الروح تفارق الجسم عند الموت فراقا أبديا، وعند المنام تفارقه فراقا مؤقتا. وترى الروح خلال هذا الفراق المؤقت مناظر عديدة، وتجد لها جسما جديدا وبيئة جديدة، وتحس بمختلف الأحاسيس، وتأكل وتشرب وتتحرك وتتمتع وتتألم. ومن ثم يمكن لنا أن نقيس الحياة الآخرة على المنام قياسا قريبا. إن المناظر التي يراها الإنسان في المنام ليست روحانية خالية من الجسم، بل هي خليطة بالجسم. . ويمكن أن نسميها شبه مادية، أو مادية على نحو ما، لأننا نرى لها جسما ملموسا. وهذه المناظر أو الرؤى بتعبير أصح. . تعبر عن حقائق معينة. والحق أن النعم الدنيوية صورة ممثلة للنعم الأخروية. . بمعنى الأصل، والنعم الدنيوية تمثيل لها وتصوير لحقائق ذلك الأصل. وإذا كان التمثيل أن نعم الآخرة هي