Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 167
التفسير: ينظر المنافقون إلى المؤمنين على أنهم يتصفون بالسفاهة، ذلك لأنهم ينفقون أموالهم بسخاء في سبيل الله ويضحون بحياتهم من أجل دعوة الإسلام، ويتعرضون لمخاطر القتال وعداوة الكفار، وهم على قلة عددهم يتحدون الدنيا كلها. ولذلك إذ دُعي المنافقون إلى إخلاص النية وصدق الإيمان قالوا: لا يمكن أن نكون حمقى مثل هؤلاء المؤمنين، وإنما علينا أن نحفظ أرواحنا وأموالنا وجهودنا. وقد أشار القرآن إلى هذه الأمور في مواضع عديدة مثل: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا (المنافقون:۸)، إذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ (الأنفال: ٥٠)، الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْحَرُونَ مِنْهُمْ (التوبة: ٧٩)، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ)) (المائدة: ٥٣). والحق أن الفتح والانتصار لا يستحقهما إلا الشجعان البواسل والفدائيون المناضلون. والمؤمنون هم أشجع من في الأرض، لأن أنظارهم تشخص إلى السماء دون الأرض. إن الشعوب التي تتهرب من التضحيات وتتقاعس عن الفداء. . مصيرها الهلاك والدمار والذين يضنون بأموالهم عن الإنفاق في سبيل الذين يبددونها باطلا، أما الذين ينفقونها في مواضعها. . فأولئك هم الذين ينمونها ويضاعفونها الله هم أضعافا كثيرا. وترد الآية على المنافقين بأن جبنهم وبخلهم هما السفاهة بعينها، إذ يراهنون على الحصان الخاسر. فالكفار لن ينتصروا بتاتا، وإذن فلن يجديهم نفاقهم شيئا، بل إنهم سيخسرون أموالهم وحياتهم في عين الذل والحسرة. ومن كانت هذه حياته ونهايته فقد سفه سفها مبينا. وقد عاش رئيس المنافقين حتى رأى بعينه انتصار الإسلام وتبين له من الحكيم ومن السفيه يقول تعالى مُبيّنًا هذه الحقيقة: وَلا تُعْجِبُكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة: ٨٥). نعم، إن الحرص الشديد على المال والولد يجعل حياة المنافق عذابا وقلقا وحرمانا، ثم يعقب ذلك الهلاك والخسران.