Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 147
والعلامة الثالثة في هذه الآية هي قوله تعالى: وبالآخرة هم يوقنون. والآخرة هي الأمر المتأخر، ولذلك سميت الحياة بعد الموت بالحياة الآخرة، ووصف يوم القيامة باليوم الآخر، وسميت العاقبة بالآخرة لأنها تتأخر، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (الضحى: ٥). ومعنى قوله : وبالآخرة هم يوقنون أنهم على إيقان بأمر متأخر. أما ما هو هذا الأمر؟ فيمكن أن يكون المراد به القيامة أو الحياة بعد الموت، فهو المعنى الأكثر استعمالا في القرآن الحكيم كما في قوله تعالى: مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاق) (البقرة : ۱۰۳)، بَل ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ)) (النمل: ٦٧)، فيكون المعنى أن المتقين موقنون بالحياة بعد الموت. ويمكن أن يكون المراد بالآخرة البعثة الآخرة للرسول الله، كما جاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الجمعة:٣ و ٤). فالمتقون يؤمنون ببعثة إحيائية آخرة لرسالة المصطفى الله الله في آخر الزمن ، ويعود بها الإسلام إلى ما كان عليه في عهد النبي الكريم. وفي تلك البعثة الآخرة يتتزل الوحي دون تشريع حسب قوله تعالى: إن الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (فصلت: ۳۱). ومن يتشرف بتلقي الوحي الإلهي لهذه المهمة سيتصف بمقام النبوة التابعة من معين النبوة المحمدية. وذلك المقام متوقف على إطاعة الله تعالى ورسوله محمد المصطفى كما يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً)) (النساء: ٧٠). في وذكر الإيقان بالآخرة تشجيع للمسلمين كي يضاعفوا مساعيهم في المجالات الروحانية، لأن من يؤمن بها سيندفع نحو بذل جهوده لنيل تلك الحياة كما سعى لها صحابة النبي والتابعون ورجالات الإسلام الصالحون من بعدهم في كل عصر. ومما يلفت النظر في الآيتين السابقتين من سورة البقرة أن كل آية منهما تبدأ بشيء ويتلوه أمران. فكأن الآية الأولى منهما تشير إلى أن إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله تابعان للإيمان بالغيب، والآية الثانية تدل على أن الإيمان بالوحي السابق والإيقان بالآخرة تابعان للإيمان بالوحي المحمدي. ومما لا شك فيه أن الوحي السماوي السابق للإيقان بالآخرة. . لا يحصلان في هذا العصر إلا عن طريق القرآن المجيد. فلقد أمست أحوال الأنبياء السابقين مبهمة؛ بحيث لا يمكن أن يتبين صدقهم وعظمتهم إلا في ضوء القرآن. وكذلك لا يتيسر اليقين بالوحي في المستقبل إلا بالإيمان بتعاليم القرآن، لأن كل دين آخر قد