Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1)

by Hazrat Mirza Bashir-ud-Din Mahmud Ahmad

Page 141 of 421

Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 141

أن يستفيد ويفيد علمًا وعملاً بما يعرفه. وهكذا الحال في المجال الروحاني. فالعالم العامل أي المتقي لا يقتنع في الدنيا بما يشهده بعينيه فحسب وإنما يعكف على التحقيق في بدايتها ونهايتها والبحث عن كنوزها ودفائنها الكامنة. وهذا هو الإيمان بالغيب. ومن البيّن أن العلم والعمل لا يكتملان من دون هذا البحث العميق، فالإيمان بالغيب عنصر أساس هام لاكتمال الإنسانية، ولا يجرؤ على صرف النظر عنه إلا الجاهل الغافل. ٢ - وبعد أن أكدت الآية أهمية الإيمان بالغيب لفتت أنظارنا إلى ما يترتب عليه من نتائج لازمة. . وهي إذا أمعن الإنسان النظر في مبدأ هذا العالم واستبان له بالأدلة البينة وجود الخالق جل وعلا. . عندئذ يندفع نحو توطيد علاقته بخالقه وربه سبحانه. وهذا هو ما يسمى بالعبادة وإقامة الصلاة. ٣- وإذا تقوت صلته بالله خالق كل شيء فإنه بعد ذلك يهتم بالمخلوقات التي أوجدها هذا الخالق العظيم، فيبذل جهوده من أجل كل ما له صلة ،بربه لأن حب الخلق يسري إلى قلبه من حبه للخالق، كما نرى أن حب الإنسان لوالديه لا يلبث أن يقوده إلى حب أشقائه. ولذلك بعد الإيمان بالغيب تأتي إقامة الصلاة، ثم الواجب الثاني وهو مما رزقناهم ينفقون). ويتبين مما أن سبق مع الله ورود إقامة الصلاة والإنفاق بعد الإيمان بالغيب ليس مصادفة، وإنما هو ترتيب محكم. وتقديم إقامة الصلاة في الآية على الإنفاق هو الترتيب الصحيح المنطقي، فإقامة العلاقة تعالى أولى بالتقديم، لأن حب المخلوق يأتي من حب الخالق جل وعلا. ويختلف الإسلام في ذلك عن نظرية الفلاسفة ومن على شاكلتهم ممن ينقصهم التعلق بالله تعالى، إذ يزعمون أن تقوية الصلة بالمخلوق تؤدي تلقائيا إلى التعلق بالخالق، وإذن فالأمر الأجدر بالاهتمام عندهم هو التعلق بالمخلوق. ولكن إذا تأملنا في هذه النظرية تبين لنا بطلانها. إن الإحسان إلى المخلوق، ولا شك، قسم من عبادة الله تعالى، ولكنه لا يوجب التقرب إلى الله، والعكس صحيح. . فإن التقرب إلى الله الإحسان إلى المخلوق، ومن أحب الله أحب خلقه. . والتاريخ يحكي لنا عن مئات بل آلاف الناس الذين خدموا البشرية أجل الخدمات، وتحملوا من أجل ذلك كل المشقات، وما فعلوا ذلك إلا حبا لله تعالى. إن إبراهيم وموسى وعيسى وكرشنا ورام شندر وزرداشت و بودا وكنفوشيوس، وسيد الجميع وسيدنا محمد المصطفى. . كل هؤلاء أمثلة رائعة لمن أحبوا الله وتعلقوا به، وخدموا بني الإنسان نتيجة هذا الحب. ولا يقدم لنا التاريخ مثالا واحدا لإنسان أحب البشر ومن ثم أحب الله. يو. هذا من الواقع العملي. أما الدليل فإنه أيضًا يرفض زعم الفلاسفة إن حب المخلوق إما أن يكون ثمرة حب الوطن أو بسبب عاطفة طبيعية. ومَن أحب بني وطنه فيمكن أن يعادي غير مواطنيه حسب مقتضى الوطنية، وبدلا من أن يتوجه إلى الله تعالى يبقى مقيدا بأحابيل السياسة، وينساق وراء أهدافها.