Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 136
كما أن الآية تدل على أن المنفق على الفقراء والمنفق على أولاده وزوجه والأم التي ترضع وليدها، والابن الذي يعتني بخدمة والديه. . كل هؤلاء وغيرهم منفقون في سبيل الله، بل المنفق على نفسه يعتبر منهم. وكل من يبخل على نفسه ولا ينال من الطعام ما يضمن صحته فإنه يعصي هذا الأمر، لأن الآية لا تقول "ينفقون على الفقراء" وإنما تركت الإنفاق بلا تعيين، وبذلك شملت إنفاق الإنسان على نفسه وزوجه وأولاده وأصدقائه. وقد أوضح الرسول الله الله هذا المعنى حيث نصح رجلا كان يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يهتم بزوجته وأولاده، فقال له: "إن لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، وان لأهلك عليك حقا. فأعط كل ذي حق حقه". (الترمذي، أبواب الزهد) ولقد أبطلت هذه الآية جميع أنواع الرهبانية التي يرونها من الحسنات. . مثل عدم الاهتمام بالنظافة والطعام وإهمال حقوق ذوي القربى. فالمتقي عند الإسلام هو الذي ينفق من كل ما أعطاه الله على نفسه وذويه وجيرانه وأصدقائه وعلى الفقراء والأغنياء والمعارف ،والأجانب على المواطنين والمسافرين والغرباء، على بني الإنسان بل الحيوانات أيضًا. . لأن الإسلام يأمر بالإنفاق من كل نعمة، ولكل مصلحة ضرورية. . فمن ترهب وقعد عن السعي فقد أعجز نفسه عن الإنفاق وخالف الآية. وتدل هذه الآية ومما رزقناهم ينفقون على أن الإنفاق محدود بجزء من الرزق وليس كله. وتقرر آيات أخرى من القرآن أن الإنفاق المفرط الذي يؤدي إلى الفقر محرم كذلك. يقول تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (الإسراء:٣٠). والمحسور هو من ضاعت قوته وبدا عجزه. . فحُرم من التقدم. وإذا كان الإفراط في إنفاق المال مكروها حتى لا يورث الحسرة فإن الأمر لا يسري على الإنفاق العلمي والفكري. فالمال معرض للنفاد. . أما العلم والفكر فلا ينفدان بالأنفاق. ولكن الاعتدال يكون مطلوبا أيضًا في هذه الحالة، بمعنى تجنب إرهاق النفس إرهاقا يعطل قوى الإنسان ويحول بينه وبين المداومة على التقدم إن من يجهد نفسه فيمرض ويتوقف عن يعد مخالفا لهذه الآية. ويدل قوله تعالى: ومما رزقناهم ينفقون على أن المتقي ينفق في سبيل من الحلال، فليس من البر إنفاق مال جاء من حرام ومن ينفق مالا جمعه من رشوة أو سرقة لا يفعل خيرا، لأنه ينفق من حقوق غيره وليس من رزق الله له. . والشر لا يلد إلا شرا. ولما كان معنى الرزق هو العطاء المتواصل حسب الحاجة. . فإن الآية تعني أن الخوف من الإنفاق مخالف للعقل السليم. فكلمة رزقناهم تدل على أن الله تعالى لن ينقطع عن العطاء، فلا داعي للخوف. إن الذي ينفق حسب أمر الله تعالى لا يخسر أبدا. بل يربو ماله وتزدهر ثروته، لأن الله لن يقطع الله العطاء 70