Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 118
ينجح الكتاب في رسالته الإصلاحية الشاملة إلا إذا كان هدى للمتقين، أي قادرا على أن يلهب عاطفة الحب في العاملين به بعد أن يطهر قلوبهم بآياته، ويزودهم بميل شديد للتقدم إلى الله تعالى، والعطف على المخلوق والقرآن بهذه الكلمات يهدف إلى تحقيق هذه الغاية، ويقول أن هذا الكتاب الكامل الخالي من الريب والمضار يكسب الإنسان طاقة التقدم التي يسير بها نحو الحب الكامل وجل. الله عز والهدى يعني يُحرموا من إرشاد الله، ولا ينقطع عنهم توجيهه. . سيجدون في هذا الكتاب ما يحقق رغبتهم. وأيا كان نصيب المرء من التقوى فسيكون له بغيته من الاهتداء في تعاليم هذا الكتاب التريه الذي يطمئن إليه القلب وتهدأ به الثائرة ويشعر أنه على هدى من ربه، وليس تابعا للعقل فقط، وانه إذا استعان بالله تعالى استطاع أن يتقدم واثقا مطمئنا بعيدا عن الشك والاضطراب. والهدى أيضا التوفيق لمزيد من العمل ورفع المستوى الفكري للعامل. . وبهذا المعنى تقول الآية: أن القرآن الكريم يمتاز بقوة عجيبة، فإذا عمل الإنسان بحكم من أحكامه فإنه يتشوق بهذا العمل إلى مزيد من التقدم في الخيرات، والله يوفقه لذلك توفيقا متواصلا. . يجلو تفكيره، فيتقوى ويزداد إقداما وتنفتح له الطرق الدقيقة للتقوى. . وكأنه بذلك يسلك مسالك التقوى اللانهائية، ولا يمكن أن يتحدد مدى تقدمه. . كما يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَأَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (محمد: ۱۸). فالتقوى والهداية ليس لهما حد أو نهاية بل لهما منازل والقرآن يهدي المؤمن حسب مرتبته من الإيمان إلى مرتبة أخرى أعلى منها، وهذا الارتقاء التدريجي مستمر إلى مراتب غير متناهية. ويقول عز وجل: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا )) (العنكبوت: ۷۰). فالذين يكافحون لأجل الاتصال بالله تعالى ويسلكون الطرق التي حددناها لذلك. . سنبين لهم الطرق المتتابعة الموصلة إلينا. وفي هذه الآية إشارة إلى أن سبلنا متوالية غير منتهية وكذلك يقول: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (التحريم: (۹) ففي الحياة الآخرة يأتي رسول الله ﷺ وأتباعه المؤمنون إلى الجنة، ويتقدمهم ذلك النور المنبثق عن الإيمان والعمل. . يسألون الله تمام النور والغفران. ومعنى ذلك أن التقدم الروحى لا يرتبط بالحياة الدنيا ،وحدها، بل يتعداها إلى الحياة الآخرة أيضًا، فيها المؤمنون بهذا التقدم ويستزيدون من القوى المساعدة على التقدم المستمر. والخلاصة أن الهدى، كما فسرته الآيات المذكورة دليل على ارتقاء لا نهاية له، وان القرآن وسيلة المتقين التي تمكنهم من التقدم المطرد. كذلك ما يُبعث به الأنبياء من هداية. ومن هذه الناحية تقول الآية: أن الذين يريدون ألا ويتمتع