Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 10) — Page 303
الجزء العاشر سورة الكوثر أيضا وقع في مكة، ولكنها نزلت قبل المعراج بست سنوات أو سبع. لا جرم أن تصور شيء عند ذكر شيء مشابه له أمر طبيعي، ولكن حصره في الشيء المشابه له يخالف العقل. كانت في جماعتنا معلّمة، وكانت سيدة مخلصة جدا، واختل عقلها، وذات يوم وقع زلزال وهي جالسة في بيتنا على السرير مع جدتي وامرأتين أخريين، فاهتز السرير فقالت جدتي المرحومة : هذا ،زلزال فقالت المعلمة: اجلسي بهدوء، فليس هناك زلزال إنما أُصبت بدوخة. فهذه المعلمة كانت تصاب بدوخة أحيانًــــا، ولكن السرير إذا كان قد اهتز نتيجة الزلزال فعلاً، فهذا لا يعني أنه لم يهتز وإنمـــا أصابت هذه المجنونة دوخة. والأمر ذاته هنا، لقد رأى النبي في المعراج أن في الجنة نهرا ترابه مسك وماؤه أبيضُ من اللبن، وأحلى من العسل، واسمه الكوثر، فاستنتج منه الناس أن سورة الكوثر تتحدث عن ذلك النهر نفسه، مع أن الكوثر المذكور في هذه السورة شيء، وكوثر الجنة شيء آخر، ولا يمكن حصر الكوثر المذكور هنا في كوثر الجنة. إذن، فحتى لو سلّمنا أن هذه السورة أيضا تتحدث عن الكوثر الذي يُعطاه النبي في الجنة ، فلا يمكن أيضا حصر معنى الكوثر في نهر الجنة. . أي لا نقول بأن ذلك النهر في الجنة فقط، بل نقول بأن النهر الذي يُعطاه الرسول ﷺ الكوثر يعني في الجنة، إنما هو مثال على الكوثر المذكور في هذه السورة. لقد بين القرآن الكريم مبدأ فيما يتعلق بنعماء الجنة فقال الله تعالى: (كُلّما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا الجنة، رَّةِ مُتَشَابهًا ) (البقرة : ٢٦) ، وقال تعالى أيضا: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ أَعْين (السجدة : ١٨). فترى أن الله تعالى يعلن من جهة أن لا أحد يعلــــم نعمــــاء جهة أخرى يخبر ومن أن المؤمنين سيقولون برؤية نعماء الجنة إنها تشبه مــا أوتينا في الدنيا؛ وهو قول يدل على الاحتقار الشديد في الظاهر، فمثلاً إذا زار صديق صديقه فقال له: سأطعمك ثمرة لم تذقها في حياتك، فلن يقول له صديقه - إذا كان من ذوي الأدب واللباقة - لقد أكلتُ ثمرة مثلها من قبل، وإنما يقول إنها ثمرة لذيذة رائعة. فالإنسان لا يقول لصديقه كلامًا غير لائق كهذا، فكيف يتصور