Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 10) — Page 295
الجزء العاشر ۲۹۵ سورة الكوثر فكل ما يوجد في القرآن يوجد في محمد، وكل ما كان يفعل محمد يأمر بـه القرآن، وكل ما كان ينتهي عنه محمد ﷺ ينهى عنه القرآن. وكأن أحدهما ينير الآخر، فالقرآن يجلو محمد ا ، وهو يُبرز نور القرآن. من المستغرب حقا أن تنزل سورة الكوثر في أوائل البعثة مشتملةً على أنباء التي مفصلة مذهلة عن أواخر حياة النبي ، حيث أخبر الله تعالى فيها عن العظمة سيبلغها الرسول عند وفاته، والقرآن الكريم عند ختامه. عنــــد نـزول هـذه السورة. . أي في السنة الثانية أو الثالثة من البعثة لم يكن للنبي ﷺ شأن يذكر، إذ كان عندها خامل الذكر، و لم يؤمن به إلا ٨ أو ۱۰ من الناس، ولم تنزل عليـه إلا ١٥ أو ۲۰ من السور القصار، ولم تكن هناك فرص لانكشاف أخلاقه الفاضلة بحسب منصبه ونبوته ولم تكن قد تحققت بعد النبوءات الإلهية بحقه سواء التي تنبأ بها الأنبياء السابقون أو التي كان قد أدلى بها بنفسه كان لا يزال بمثابة نـــــواة لشجرة كبيرة لم يخرج منها إلا ساقها، فمن ذا الذي كان بوسعه أن يقول يومها إن هذا الساق الصغير الناعم سوف يصبح في يوم من الأيام دوحة عظيمة يأكل الناس ثمارها ويستظلون بظلها؟ كان ساقاً ناعمةً ضعيفةً يمكن للمـاعز أن تدوســـها بأرجلها، وللدودة الصغيرة أن تقطعها. في تلك الحالة من الضعف والخمول أعلـــن الله تعالى على الملأ مخاطبًا نبيه له وقال : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. . أي يا أهل مكة، لا تظنوا أن القرآن ليس بشيء، وأنه مجرد مجموعة تعاليم أخلاقية قليلة، كلا، بــل سيصبح القرآن كتابا كاملا مكتملا ولا تظنوا أنه ليس لمحمد شأن يذكر، كـــــلا، بل إنه سيحرز مكانة عظيمة هي الكوثر ؛ فلفظ الكوثر إشارة إلى كل ما حدث في حياته من وقائع وإلى كل ما وهب من علوم ومعارف وأخلاق فاضلة وفتوحات وانتصارات. هل كان بوسع بشر، يا ترى، أن يقدم أي برهان على تفوق أخلاقه في وقت كان هو ورفاقه هدفا لصنوف الأذى والتعذيب؟ لو قال أحد عنــــدها إن محمدا كريم، لقال العدو كيف تسميه رحيما كريما مع أنـــه ضعيف لا رحیم يملك حيلة، حتى جعلناه عرضة لأنواع التعذيب ولنا الغلبة عليه؟ فما كان خلقه هذا ليتجلى ما لم يصبح غالبًا على أعدائه ثم يرحمهم؟ لم يكن حول النبي يومها