حقيقة الوحي — Page 511
اعلموا أنه ما لم تنزل في تأييد الإلهام آيات الله الخارقة مثل المطر فإن اعتبار الإلهام كلام الله إنما هو كالسلوك على طريق الجحيم والتعرُّض لموت الخزي والإهانة لأن الإلهام ليس إلا كلاما فقط يمكن أن يتدخل فيه الشيطان، كما يمكن للإنسان أن يفتريه أو قد يكون حديث النفس. فمن أقصى درجات الغباوة والجهل أن يعتبر الإنسان كل ما يجري على لسانه كلام الله، بل لا بد كلامه، بل يجب أن تكون تلك الشهادة قوية جدا، من شهادة الله الفعلية مع لأن الادعاء أن الله تعالى يكلمني ويخاطبني ليس هينا وبسيطا، لأنه لو لم يكن هذا المدعي من الله تعالى فقد يتسبب في هلاك الدنيا. ولذلك فلا بد من شهادة الله الفعلية على دعوى مثل هذا المدعي - التي ظل الله يظهرها تأييدا لأنبيائه ورسله الصادقين جميعا منذ القدم. فلا يصح اعتبار الشيء الهين البسيط غير الجدير بالذكر، الذي يماثل سوانح الناس العاديين، شهادة الله الفعلية؛ فمثلا لو رأى أحد رؤيا ولادة ابن في بيته أو بيت غيره ثم ولد الابن على سبيل الصدفة، أو رأى أن فلانا سيموت، ثم مات صدفةً، أو رأى أن فلانا ستخيب آماله في أمر ما، ثم حدث ذلك بحكم الصدفة، ففي هذا النوع من الرؤى يشترك العالم كله، حتى الكفار والمشركون أيضا ينالون نصيبا منه فلو رأى أحد رؤيا عادية وليس لها أهمية جوهرًا وكما لما كانت دليلا على أن صاحبها من الله تعالى. بل كما قلت من قبل إن الفساق والفجار أيضا يرون أحيانا رؤى مثلها، فلا يجوز الاعتزاز برؤى وإلهامات من هذا القبيل، بل ينبغي اعتبارها ابتلاء. ويُشترط للمأمور الصادق الله أن يكون في هذه الأمور مؤيَّدا بالآيات الإلهية التي تبلغ من كيفا وكما درجة لا يسع أحدا من عامة الناس أن يبارزه فيها، وأن تتراءى يد الله تعالى مؤيدةً له بوضوح تام، وأن يُلاحظ نزول الآيات كالمطر الغزير في تأييده الخارق للعادة، وأن يتبين بجلاء أن الله تعالى يؤيده في كل موطن وبوجه خاص.