فلسفة تعاليم الإسلام — Page 129
۱۲۹ كيفيتها، لذلك تتذكر أرواحهم ذلك الزمن الذي كانوا يناجون فيه حبيبهم الحقيقي بحب ووله، وكانوا يستمتعون بذكره، منفردين في الزوايا والخلوات وظلمات الليل. فلا ذكر هنا للأغذية المادية أبدا. ولئن خطر ببال أحد أنه ما دام العارفون قد رزقوا من هذا الغذاء الروحاني في الدنيا وكانوا يعرفونه. . فكيف يصح وصف نعيم الآخرة بأنه ما لم يره أحد أو لم يسمع عنه أحد أو لم يخطر بقلب بشر. . فذلك يستلزم تناقضا بين الآيتين المذكورتين؟ فالجواب : إنما يتحقق التناقض إذا كان المقصود من كلمات الآية نعيم الدنيا، ولكن ليس المراد هنا نعيم الدنيا. . فكل ما يتلقاه العارف هنا بطريق العرفان إنما هو في الحقيقة من النعيم الأخروي، الذي يوهب له منه شيء ههنا على سبيل العينة ترغيبا وتشويقا. اعلموا أن الإنسان الرباني ليس من هذه الدنيا، ومن أجل ذلك تمقته الدنيا؛ ولكنه من السماء. . فلذلك يُعطى النعمة السماوية. الإنسان الدنيوي ينال نعم الدنيا، والإنسان السماوي يظفر بالنعم السماوية. فالحق كل الحق. . أن النعيم السماوي قد أُخفي تماما عن ، أسماع الدنيا وأبصارها وقلوبها. . ولكن الذي طرأ الموت على حياته الدنيوية. . وسُقِي بالطريقة الروحانية تلك الكأس التي سوف يُسقاها في الآخرة بصورة جسمانية، سيتذكر شربه الأول عندما تقدم له