ينبوع المسيحية — Page 180
۱۸۰ حبيبه. ولما كان الله تعالى نورا بنفسه فإن حبه يؤدي إلى نشوء نور النجاة. والحب الموجود في فطرة الإنسان يجذب حب الله تعالى. وبذلك يبعث حب الله حماسا ذاتيا خارقا للعادة في حب الإنسان الله، وبالتقاء هذين الحبين تنشأ حالة الفناء أولا ثم يتولد نور البقاء بالله. أما القول بأن التقاء الحبين يؤدي إلى نتيجة حتمية أن تكون عاقبة مثل هذا الشخص هي الفناء في الله ويصبح هذا الوجود (وهو حجاب) كالرماد، وتفنى الروح في حبّ الله تعالى كليا؛ فمَثَله كمثل صاعقة عندما تنزل من السماء على الإنسان تخرج نار الإنسان الداخلية للعيان دفعة واحدة بجذب النار السماوية فتكون نتيجتها فناء الجسد. إذا، فعلى غرار ذلك يقتضي الموت الروحاني أيضا نارا من نوعين: نار سماوية ونار داخلية. وبالتقائهما ينشأ الفناء الذي لا يتم السلوك بغيره. وعلى هذا الفناء ينتهي سلوك السالكين، وهو النقطة الأخيرة لمجاهدات الإنسان. وبعد هذا الفناء ينال الإنسان مرتبة البقاء فضلا من وموهبة منه عل. وهذا ما أشير إليه في الآية: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، وملخص هذه الآية أن الذي ينال هذه المرتبة ينالها كإنعام من الله، أي بفضله المحض وليس كأجر على عمل. وهذه هي النتيجة الأخيرة لحبّ الله تعالى الذي بسببه تتسنى له الحياة الأبدية من الموت. الحياة الأبدية ليست من حق أحدٍ سوى الله تعالى، فهو الحي إلى الأبد. فلا ينال هذه الحياة الأبدية من الناس أحد إلا من قطع علاقة الحب مع الله تماما وينال نصيبا من هذه الحياة الأبدية بصورة ظلية، فانيا في بحبه الذاتي. ولا يجوز أن يقال لمثل هذا الشخص أنه ميت لأنه أُحيي بعد الفناء في الله. والأموات هم الذين ماتوا ببقائهم بعيدين عن الله. فالكفار أشد الكفر غير الله وينجو الله تعالى ما دام الإنسان لا يستطيع بسبب ضعفه البشري، أن يكسب أعمالا يستحق بناء عليها نعما غير محدودة وغير متناهية، وبدون الحصول عليها لا يستطيع أن ينال النجاة الحقيقية والصادقة، فعندما يكمل مجاهداته ويبذل مساعيه كلها بقدر استطاعته، تأخذ رحمة الله بيده بمحض فضله وترحما على ضعفه وتعطيه مجانا نعمة وصال الله التي أُعطيها الصادقون من قبل. منه.