ينبوع المعرفة — Page 286
٢٨٦ يكون الهدف الأهم من مجيئهم أن يخلصوا الدنيا من حياة الذنوب والآثام ويقيموا علاقات طيبة الله تعالى. ولا يهدفون إلى أن يعلموا العالم علوما مع دنيوية ويُطلعوا الناس على اكتشافات دنيوية. فزبدة الكلام، لا يصعب على العاقل والعادل أن يفهم أن واجب الكتاب الإلهي هو أن يوصل الإنسان إلى الله تعالى ويبلغه إلى مرتبة اليقين عن وجود الله تعالى ويرسخ عظمته وهيبته في القلوب ويحول دون ارتكاب الذنوب. وإلا ماذا نفعل بكتاب لا يقدر على إزالة الأوساخ من القلب ولا يهب معرفة مقدسة وكاملة تنفّر من الذنب. اعلموا أن جذام الرغبة في الذنب جذام خطير جدا ولا يزول بأية طريقة ما لم تنزل تجليات معرفة الله الحية وآيات هيبته وعظمته وقدرته كالمطر الغزير، وما لم ير الإنسانُ الله تعالى قريبا مع قواه المهيبة كشاة ترى الأسد على بعد قدمين منها الإنسان بحاجة إلى أن يتخلص من جذبات الذنب المهلكة وأن تترسخ في قلبه عظمة الله حتى يبتعد عن الرغبة في الأهواء النفسانية القاهرة التي تسقط عليه كالبرق وتحرق ثروة تقواه في لمح البصر. ولكن هل يمكن أن تزول العواطف النجسة التي تصول مرة بعد أخرى مثل مرض الصرع وتقضي على الصواب والعقل الناجم عن التقوى- بتصور الإله الذي ينحته المرء بنفسه؟ أو هل يمكن كبتها بأفكار المرء الشخصية، أو هل يمكن أن تتوقف نتيجة كفارة لم يمسس المُها نفسه؟ كلا، ثم كلا هذا الأمر ليس بهين وكين بل أكثر الأشياء جدارة بالتفكير والتأمل لدى كل عاقل هي كيف يمكنه الخلاص من الدمار الذي يكاد يصيبه بسبب هذا التجاسر وعدم وجود العلاقة والذي أساسه الحقيقي هو الذنب والمعصية؟ من الواضح أنه لا يسع الإنسان أن يتخلى عن الملذات اليقينية بناء على الأفكار الظنية، غير أنه يمكن لأمر يقين أن يجعل المرء يتخلى عن أمر يقين آخر. فمثلا إذا كنا موقنين