ينبوع المعرفة — Page 259
٢٥٩ الاستعارة ونفخ فيه من أخلاقه الكريمة الله، وهكذا فكأنه تعالى قد جعل أشباها له، ولكن ما دام الله منزّها عن كل تشابه وتماثل، لذا ذكر الله مع أنه تنزهه بذكر استوائه على العرش. باختصار، إنه ليس عين المخلوق خلق كل شيء، بل هو منفصل عن الجميع في مقام هو وراء الوراء. ووردت في سورة طه آية الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى والمراد من الاستواء أو الاستقرار هو مع أنه خلق الإنسان ووهبه قربه إلى حد كبير ولكن كل هذه التجليات خاصة بالزمان، بمعنى أن كافة تجلياته التشبيهية تتجلى في وقت معين و لم تتجلّ من قبل. ولكن مقام استواء الله الأزلي هو العرش الذي هو مقام التنزيه لأن مقام التشبيه الذي يتولد نتيجة الصلة مع الأشياء الفانية لا يمكن أن يُدعى مقرّ الله تعالى، والسبب في ذلك أنه في طور الزوال ويحيط به الزوال في كل حين و آن. بل إن مقر الله منزّه عن الفناء والزوال، وذلك المقام هو العرش. في هذا المقام يطرح المعارضون اعتراضا آخر وهو أنه يتبين من بعض آيات القرآن أن ثمانية ملائكة سيحملون عرش الله يوم القيامة، ويبدو منه كإشارة النص أن أربعة ملائكة يحملونه في الدنيا. والاعتراض في هذا المقام هو أن الله تعالى منزّه وأسمى من أن يحمل عرشه أحدٌ. فقد سمعتم جوابه قبل قليل بأن العرش ليس شيئا ماديا حتى يُحمل أو يكون قابلا للحمل، بل العرش مقام التنزه والتقدس لذا يُعَدُّ غير مخلوق. وإلا كيف يمكن أن يبقى شيء متجسد خارج نطاق خالقية الله؟ وكل ما قيل عن العرش مبني على الاستعارات. فمن هنا يستطيع كل عاقل أن يفهم أن هذا الاعتراض ليس إلا حمق بحت. والآن أبين للمستمعين الكرام حقيقة حمل الملائكة العرش، وهي أن الله تعالى في تنزّهه- أي المقام الذي تغطي فيه صفة تنزهه صفاته الأخرى كلها