ينبوع المعرفة — Page 159
۱۰۹ تجعلها في الله كالمجنون، فتفنى في الله إلى درجة تكون عندها جاهزة للتضحية بكل شيء في هذا السبيل. بل الحق أنها علاقة غريبة ولا نظير لها في الأب. فإذا وجدت الأرواح من تلقائها كما يزعم العلاقة مع الأم ولا مع الآريون فكيف إذا نشأت هذه العلاقة؟ ومن أودع الأرواح قوى الحب والعشق مع الله تعالى؟ إنه لمقام التأمل والتدبر، وهذا المقام هو مفتاح المعرفة هذه الصادقة. والثابت من بحوث علوم الطبيعة أن جسم الإنسان يتحلل في غضون ثلاثة أعوام ويحل محله جسم آخر، وهذا أمر مؤكد كما هو ملحوظ أنه عندما ينحف جسم الإنسان بشدة عند إصابته بمرض ويصبح كهيكل عظمي يعود الجسم نفسه إلى هيئته الطبيعية رويدا رويدا بعد استعادة الصحة. فكذلك تتحلل دائما أجزاء الجسم السابقة وتحل محلها أجزاء جديدة وكأن الجسم في مواجهة موت وحياة في كل حين وآن كذلك تطرأ على الروح أيضا تغيرات على غرار الجسد، وهي أيضا في مواجهة موت وحياة كل حين. والفرق الوحيد هو أن التغيرات التي تطرأ على الجسد واضحة وبينة ولكن كما أن الروح خافية كذلك تغيراتها أيضا خافية. يتبين من القرآن الكريم أن التغيرات الطارئة على الروح غير متناهية إلى درجة أن تلك التغيرات ستحدث في الجنة أيضا، ولكنها ستكون نحو التقدم والارتقاء، فتتقدم الأرواح إلى الأمام دائما من حيث صفاتها الروحانية، وستكون الحالة الأخيرة أبعد وأعلى من سابقتها باستمرار وكأن الحالة الأولى تشبه الموت مقارنة بالحالة الأخيرة. يقدم الآريون على أزلية الأرواح دليلا مفاده أن الإله أزلي وصفاته أيضا أزلية، وإذا اعترفنا بأن الأرواح حادثة لاستلزم ذلك الاعتراف حدوث صفات الله أيضا، لذا لا بد من الاعتراف بأن الأرواح ليست حادثة. ولكن لا أدري