البراهين الأحمديّة الجزء الخامس — Page 198
البراهين الأحمدية (۱۹۸) الجزء الخامس قط. فمن والبكاء والحرقة لأحد في الصلاة لا يستلزم علاقته بالله بالضرورة، بل يمكن أن توجد كل هذه الأشياء في أحد دون أن تكون له علاقة بالله. كما أن التجربة الصريحة شاهدة على أن أناسا كثيرين يجهشون بالبكاء في مجالس الإرشاد والنصيحة ومحافل الوعظ والتذكير وفي الصلاة وذكر الله وتستولي عليهم حالة الوجد ويصرخون ويظهرون الخشوع والخضوع وتسيل الدموع على خدودهم كالماء ويشرع بعضهم بالبكاء دونما سبب، بحيث إذا سمعوا أمرا بسيطا بكوا له فورا، ومع ذلك لا يجتنبون اللغو، بل يلازمهم لغو الكلام والأحاديث واللهو واللعب في كثير من الأحيان ملازمة القلادة الجيدَ. فيُفهم من ذلك أنهم ليسوا حائزين على أدنى علاقة بالله وليس في قلوبهم عظمة الله وهيبته الغريب حقا أن ترافق حالة الخشوع والخضوع والتضرع والحرقة نفوسا خبيثة من هذا النوع. وإنه لمقام عبرة ويثبت منه أيضا أن الخشوع والخضوع والبكاء والتضرع وحده بدون اجتناب اللغو ليس بمفخرة ، ولا هي علامة قرب الله أو العلاقة معه. وقد رأيتُ بأم عيني كثيرا من المتنسكين، وأناسا آخرين أيضا، كلما قرأوا بيتا أليما أو شاهدوا منظرا موجعا أو سمعوا قصة فاجعة، انهمرت دموعهم بسرعة هائلة كما يُمطر بعض السحب قطرات كبيرة بسرعة لا تدع للنائمين في أفنية دورهم فرصة أن يُدخلوا فرشهم بيوتهم قبل أن تبتل. ولكني أشهد شهادة عيان بأنني وجدت أكثرهم مخادعين جدا، بل سبقوا في ذلك أبناء ميالا إلى اللغو من الأحاديث والأعمال، وفي معظم الأحيان يحب الخوض في لغو الأعمال من قفز ولهو ولعب لدرجة الإضرار بجسمه أيضا في كثير من الأحيان. فيتضح من ذلك أن اللغو يعترض سبيل الإنسان أولا من حيث طبيعته، فلا يمكنه أن يبلغ أية مرتبة أخرى قبل اجتياز هذه المرتبة. فبطبيعة الحال إن أولى مراتب البلوغ هي اجتناب لغو الطفولة. ويثبت من ذلك أن أول ما يواجهه الإنسان بطبيعته هو اللغو. منه.