مرآة كمالات الاسلام — Page 59
مرآة كمالات الإسلام ۰۹ فإن هذه الطاعة التامة الله تعالى والخدمة الممزوجة بالحب والمليئة بالإخلاص والحنيفية التامة هي الإسلام وحقيقته ولبه الذي ينال بعد إيراد الموت على النفس والمخلوقات والأهواء والإرادة. السعادة التامة في هنا نكتة جديرة بالانتباه وهي أن الآية التي سبق ذكرها : بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ تشير إلى الدرجات الثلاث الضرورية للسعادة، وهى " الفناء والبقاء واللقاء" لأنه كما ذكرنا من قبل أن قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ الله يفيد أنه يجب على الإنسان أن يسلّم لله تعالى وينذر له كافة قواه وأعضاءه وكل ما كان له؛ وهذه الحالة تسمّى "الفناء" بتعبير آخر وذلك لأن الإنسان حينما يسلّم جميع قواه الله تعالى –بحسب منطوق هذه الآية- وينذرها في سبيله ويتخلى عن ثوائر نفسه وسكناتها فلا شك أنه قد أصابه نوع من الموت، وهذا الموت يسمّيه "الصوفية" باسم الفناء. أما وَهُوَ مُحْسِنٌ فتشير إلى مرتبة "البقاء"، لأن الإنسان حين يعود إلى النشاط بجذب من الله وحتّه بعد فناء تام كامل وسلب أهواء النفس، ويتحرك من جديد بعد انقطاعه من دوافع النفس كلها فهي الحياة الثانية التي بقدرة الله دارج السعادة التامة في الإسلام يجب تسميتها بالبقاء. وأما قوله تعالى ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الدال على إثبات الأجر والثواب ووجوبهما، وعلى نفي الخوف والحزن ،وسلبهما فهو إشارة إلى حالة اللقاء، لأن الإنسان حين يحظى بأعلى درجات العرفان واليقين والتوكل والحب بحيث لا يبقى الأجر على إخلاصه وإيمانه ووفائه أمرا وهميا أو خياليا وظنيا فقط بل يكون يقينيا وقطعيا ومشهودا ومرئيا ومحسوسا