مرآة كمالات الاسلام — Page 493
مرآة كمالات الإسلام ٤٩٣ يكون مدار الإنسان كله على أفكاره ،هو كذلك لا نشعر بأفعال الملائكة أيضا لأنهم روحانيون. هنا يصدق المثل القائل بأن الأعمى أنكر وجود الشمس قائلا بأنه لا يعثر عليها باللمس، فخاطبته الشمس :وقالت يا أيها الأعمى لا يمكن العثور عليّ باللمس لأني بعيدة جدا عن يديك. فادعُ الله أن يهبك عينين فستراني بهما. أما الفكرة أنه إذا كانت الملائكة هي المدبّرات والمقسمات أمرا، فلماذا تنجح مساعينا نحن، ولماذا تتحقق معظم شئوننا ومخططاتنا وتدابيرنا بحسب رغبتنا؟ فجوابه أن مخططاتنا وتدابيرنا هذه أيضا لا تخلو من تدخل الملائكة وإلقائهم وإلهامهم. إن الأعمال التي يُنجزها الملائكة بإذنه تعالى يستخدمون لإنجازها شخصا أو شيئا أُودعت فطرته موهبة لقبول تأثير الملائكة؛ فمثلا إذا أراد الملائكة أن ينزلوا بإذنه تعالى مطرا في مزرعة أو قرية أو بلد، فلا يمكن أن يصبحوا ماء بأنفسهم، ولا يستطيعون أن يأخذوا من النار خدمةً في إنزال الماء، بل يوصلون السحاب بتأثيراتهم الجاذبة إلى المكان المقصود، وبصفتهم مدبّرات الأمر ويجعلونه يمطر بحسبما قدّر كيفا وكما وتقديرا. توجد في السحاب كافة القوى التي يمكن وجودها فيما لا روح فيه ولا إرادة ولا شعور بصفته جمادًا أو مادةً. إن المهمة الموكولة إلى الملائكة هي التقسيم والتدبير، لذلك سموا "المقسمات" و"المدبّرات". أما الإلقاء والإلهام الذي ينزله الملائكة فيكون بقدر مواهب المتلقي الفطرية؛ فمثلا الإلهام الذي يُنزلونه على عباده الأصفياء لا ينزلونه على غيرهم، بل لا يتوجّهون إلى ذلك أصلا فمِن منطلق هذه القاعدة يستفيد كل شخص من فيض إلقاء الملائكة على قدر موهبته، والعلم أو الفن الذي يجعله نصب عينيه ينال في مجاله العون من الملاك؛ فمثلا حين يريد الله جل شأنه أن يصاب أحد بالإسهال نتيجة تناول دواء معين يلقي الملاك في قلب الطبيب أن يعطيه دواء مسهّلا فيصف للمريض "التُّرْبَد" أو خيار شنبر (الخروب الهندي) أو السفرجل أو السَّقمونيا أو السَّنا أو زيت الخروع أو شيئا آخر بحسبما أُلقي في قلبه،