مرآة كمالات الاسلام — Page 455
مرآة كمالات الإسلام ٤٥٥ لتظهر قدراته بواسطة الأسباب، ولكي تنتشر الحكمة والعلم بين الناس بهذا الأسلوب فلولا توسط الأسباب لما وُجد في الدنيا علم الأفلاك ولا علم النجوم ولا الطبيعة ولا الطب ولا النباتات ولا غيرها من العلوم فبفضل هذه الأسباب جاءت العلوم إلى حيز الوجود. فجميع ولو تفكرتم لوجدتم أنه إذا كان يُعترض على استخدام الملائكة، فالاعتراض نفسه يرد على استخدام الشمس والقمر والكواكب والنباتات والجمادات والعناصر أيضا. والذي يملك نصيبا من المعرفة يدرك أن كل ذرة تعمل بحسب مشيئة الله تعالى. وكل قطرة ماء تدخل أبداننا لا يمكن أن تؤثر فيها إيجابا أو سلبا إلا بإذن الله تعالى. إذًا، الذرات والكواكب وغيرها من الأشياء هي في الحقيقة نوع من الملائكة، وهي مسخرة للخدمة ليل نهار؛ بعضها مسخرة لخدمة جسم الإنسان وبعضها لخدمة الروح. والله الحكيم الذي أحبّ توسط أسباب كثيرة لتربية الإنسان الجسدية وأوجد من عنده كثيرا من المؤثرات المادية كي تؤثر في جسد الإنسان بشتى الطرق، قد أحبّ الله الواحد نفسه الذي لا شريك له والمتسمة أفعاله بالوحدة والاعتدال أن يُرتى الإنسان روحانيا أيضا بالأسلوب والنمط نفسه الذي اختير لتربية الجسد، وذلك كي يدلّ كلا النظامين؛ الظاهري والباطني والروحاني والمادي - بناء على انسجامهما ووحدتهما - على خالق واحد مدبّر بإرادته. فلهذا السبب وكل الملائكة وسائط على تربية الإنسان المادية، بل على التربية الروحانية أيضا، ولكن كل هذه الوسائط مسيَّرة وفي يد الله تعالى كأداة تديرها يده المقدسة؛ فلا تملك الوسائط إرادة ولا تصرفا. كما أن الهواء يدخل فينا بأمر الله ويخرج بأمره ويؤثر بإذنه، كذلك الحال تماما بالنسبة للملائكة؛ فهم: ﴿يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.