مرآة كمالات الاسلام — Page 291
مرآة كمالات الإسلام ۲۹۱ يشكرون. فغضب الله عليهم، ومزق ملكهم، وجعله عضين، وبعـث أقوامـا كـانـوا يبسطون أيديهم إلى ممالكهم ويقتسمون. منهم، وكان ذلك الزمن زمان طوائف الملوك، وكانوا إلى ثغورهم يحكمون. وكان آبائي يأمرون على ثغرهم، وكالملوك على قراهم يقتدرون. وكان يُرفع إليهم ما وقع في رعاياهم، فكانوا يحكمون كيف يشاءون ولا يخافون إلا الله ولا يستجيزون أحدا ولا يستأذنون. ثم نقل صلحاء آبائي إلى جوار رحمة الله، وخلف من بعدهم قوم أضاعوا الصالحات المسنونات، وما رعوها حق رعايتها، ووقعوا في البدعات والرسوم وما تعافوها، وكانوا لدنياهم يلتاعون. وكذلك هبّت الريح في تلك الأيام على جميع أمراء المسلمين وطوائف ملوكهم، وغفلوا من الانقياد إلى الله والإخبات له، وعصوا أحكام القرآن، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى وكانوا يراءون ولا يخلصون. ونظر الله إليهم فوجدهم كأجساد لا أرواح فيها ، ورآهم أنهم انتكسوا على الدنيا وكانوا مما سواها يستوحشون. وكانوا يشفقون على مهمات دنياهم وعلى الدين لا يشفقون. وتلطخوا بقاذورات النشأة الأولى، وغفلوا عن النشأة الثانية، فما طلبوها وما كانوا يطلبون فاقتضت حكمة الله تعالى لينبههم، وأراد أن ينزع الملك منهم، ويؤتي قومًا من عبدة الأوثان كانوا يسمون أنفسهم "خالصة"، وكانوا أميين لا يعلمون شيئا ولا يعقلون. فأهاج الله تقريبات عجيبة لنصرتهم وإقبالهم، وإزعاج شجرة المسلمين وحطمهم ليعلموا أنهم فسقوا أمام ربهم وأنهم ظالمون. فقام "الخالصة" بجميع الجهد والهمة ليستأصلوا المسلمين، ويصفو ملكهم لهم، وأعانهم الله عونًا عجيبًا، فكانوا في كل موطن يغلبون. ففي هذه الأيام صبت على آبائي حوادث ونوازل واستولى "الخالصة" على بلادهم وجاسوا ديارهم، وغصبوا ملكهم ورياستهم واستخلصوها من أيديهم ونهبوا أموالهم وخربوا عماراتهم، وفرّقوا