التحفة الغولروية — Page 189
۱۸۹ يتصبغ بصبغة النبوءة، لأنا قد كتبنا سلفا أن في زمن النبي ﷺ لم يكن للنصـــــارى أي شأن يذكر ، بل كانت سلطنة الفرس قوية وذات شوكة، وكانت البوذية من بين الأديان من حيث عدد الأتباع متفوقة على جميع الأديان، كما كان دين المجوس أيضا قويا ومتحمسا وكان الهندوس أيضا بالإضافة إلى اتحادهم القومي حائزين على شوكة وسلطنة وكثرة عددية والصينيون أيضا كانوا أقويا جــــــدا. فهنا ينشأ السؤال بالطبع: لماذا لم يعلمنا الله دعاء لاتقاء شر جميع هذه الأديــــان القديمة التي كانت لها سلطة قديمة وقوية، وكانت أوضاعها متقدمة جـدا مـــــن حيث الاتحاد القومي والثروة والقدرة والقدم والأسباب الأخرى؟ ولماذا علمنا الدعاء لاجتناب فتنة الأمة المسيحية التي كانت ضعيفة نسبيا؟ فإنما جواب ذلك الذي يجب أن يُتذكر جيدا، أنه كان مقدرا في علم الله أن هذه الأمة ستظل تتقدم يوما بعد يوم، حتى تنتشر في العالم كله وستبذل جميع الوسائل الممكنة لأن يعتنق الناس دينها. سواء بالعلوم أو بالإغراء بالأموال وبالأخلاق والكلام المعسول، وببريق الثروة والشوكة وبشهوات النفس والإباحة والتحرر. وسيستترفون الجهود، سواء بإثارة الاعتراضات والطعن أو كفالة المرضى والفقراء والمساكين والأيتام، ليدخلوا في دينهم أي سفيه شقي أو طماع أو شهواني أو طالب جاه أو عديم حيلة أو مسكين أو يتيم أبوين بالسيطرة عليه. باختصار؛ كانت للإسلام فتنة عظيمة لم تسبق لعين الإسلام رؤية نظيرها، وكان الإسلام عرضة لابتلاء عظيم يُخشى منه هلاك مئات الألوف من الناس. لهذا قد علمنا الله في سورة الفاتحة التي افتتح بها القرآن الكريم دعاءً لاجتناب هذه الفتنة المهلكة، وسأله رجل من بني العين فقال: من المغضوب عليهم يا رسول الله؟ قال: اليهود قال: فمن الضالون؟ قال : النصارى» الدر المنثور. منه