الكحل لعيون الآرية — Page 216
الله نفسه يقتضي أن يحرز عباده ،معرفته التي تتجلى حقيقتها الكاملة بالعبادة. فكما أن الجميل يريد أن يظهر حسنه كمال جماله، فالله بسبب الذي ختمت عليه كمالات الحسن الحقيقي كلها هو الآخر يريد بطبعه الجياش أن تظهر كمالاته على الناس. فقد ثبت من هذا البحث أن الله يريد من عباده أن يعبدوه حتمًا، لأن العبادة مدار المعرفة ووسيلتها. والذي يقاوم من الناس مشيئته الله هذه ويرفض عبادته وينحرف عن سبيله، فإن كبرياءه تتوجه إلى مثل هذا الرجل للقضاء عليه. فإذا تدبرتم تاريخ العالم وألقيتم نظرة عميقة على فعل الله لاتجاه المتمردين والملحدين وما صدر منه دوما بحق المعتدين والظالمين منذ القدم فسوف يتبين لكم بمنتهى الجلاء أنه من الحقيقة الثابتة بلا شك أن الله الله بمقتضى فطرته يحب الصلاح حتمًا ويكره السيئة ويعاديها. ومع أن الحسنة والسيئة التي تصدر من المرء لا تترك أي تأثير مفيد أو ضار في ملكه الا الله لكنه بمقتضاه الذاتي يريد حصرا أن يتخلى الناس عن السيئة ويتحلوا بالحسنة. فالواضح الآن أن الله إذا لم يخلق الأرواح فلا يحق له أن يستجوب أي روح على أنه لماذا لم تقم بالعبادة الكاملة التي تجب على المخلوق بحق خالقه. قوله : أما القول بأنه إذا لم يكن الله له الا الله خالقا فلا يمكن أن يكون محيطا أيضًا. فلعل هذا القول يصدر من "مَن خلق الله أيضًا" لأن الله لم يكسب جميع صفاته وقدراته من خلق الأرواح، كلا بل في الحقيقة هو يتصف بجميع الصفات أصلا.