الكحل لعيون الآرية — Page 39
۳۹ استعجالا وتسرعا منذ البدء، حيث يريدون بمنتهى التسرع- باعتبارهم تلقي علم الدين عملا هينا وصناعة عديمة الجدوى- أن يكتشفوا في حالتهم البدائية جميع أصول الدين وفروعه دون انتظار الأوضاع المرتقبة لكمالات الفطرة؛ كما تكتشف أي مسألة حسابية أو هندسية، وإذا لم تبلغ أي من الدقائق الدينية هذه الدرجة من الانكشاف فيصدروا بحقها حكما صريحا بأنها باطلة تماما وتخلو من منهج الصدق. لكن ذلك كما بينا آنفا ليس طريق الحكمة ،الإيمانية، بل هو ظلمة إنسانية أو خصلة من غطرسة شيطانية. لأنه لو كان الأمر هكذا وكانت جميع أجزاء الدين وما تفيض به أظهر من الشمس سلفا وبدهيةً وبينة الانكشاف أو تراءت قطعية الإثبات على شاكلة الأشكال الهندسية أو العمليات الحسابية لما بقي الإيمان إيمانا ولما وسع الإنسان نيلُ الثواب والسعادات والبركات التى تترتب على الإيمان أبدا. لأن من الواضح أن التسليم بوجود الأمور بينة الحقيقة وبديهية الوجود لا يسمى إيمانا. فلو قال أحد مثلا: إني قد آمنت بأن الماء بارد وأن النار حارة، وأن كل إنسان ينظر بالعين ويسمع بالأذن ويأكل بالفم ويمشي بالقدم وآمنتُ بأن الشمس والقمر موجودان وأنه توجد على الأرض كثير من الجمادات والنباتات والحيوانات فإن هذا الإيمان بمنزلة الأضحوكة ولا يسمى إيمانا. وعند ولذلك لا يُعدّ الإيمان بأمور بدهية وبينة جالب أي ثواب عند الله العقلاء. بل الإيمان أن يسلّم المرء بأمور يتقبل العقل وجودها ولا يدرك كنهها كما يجب لكونها مخفية وراء حُجُب كثيرة - بعد ملاحظة كفتها