الكحل لعيون الآرية

by Hazrat Mirza Ghulam Ahmad

Page 36 of 304

الكحل لعيون الآرية — Page 36

معرفته والاستقامة أكثر من تجربته يُتقبل عند الله. ثم توهب له عيون العرفان ببركة الصدق والصفاء نفسه، ويُرزق اللذة والمحبة الربانية حتى يصل إلى درجة تنتهي عندها كمالات الإنسان لكن ذلك كله يعطى أخيرا لا سلفا. سنة الله أو قانون الطبيعة بتعبير آخر للوصول إلى المعرفة الصحيحة، غير أن الفلاسفة الماديين في العصر الراهن لم يطلعوا على هذه الحقيقة مثقال ذرة، وهم يجهلون تماما كيف يصعد المرء إلى برج العرفان فهذه هي حاشية: فليكن معلوما أن طريقة الفلاسفة في الإيمان بالله وعالم المجازاة والأمور الأخرى المتعلقة بالمبدأ والمعاد تختلف كثيرا عن طريقة الأنبياء. فالأصل الأعظم لطريقة الأنبياء أن الثواب يترتب على الإيمان ويُثمر الإيمان عندما يؤمن المرء بأمور غيبية ما زالت في الغيب، ولا يطلب الشهادات البينة من الحواس الظاهرة ولا الإثباتات القطعية اليقينية من الأدلة الهندسية والحسابية. لأن الثواب بأكمله واستحقاق القرب والوصال الإلهي يتوقف على التقوى فقط وإنما يتحلى بالتقوى من يجنب نفسه البحوث المفرطة والإنكارات العريضة الطويلة وتفصيل كل جزئية، ويتقبل بحسن الظن المحض طريقا غالبا ومتفوقا على طرق أخرى، وذلك إثر ملاحظة صدقه وبناء على الفراسة، وهذا إيمانا. وبهذا الإيمان ينفتح باب الفيوض الإلهية وينال المرء السعادة في الدنيا والآخرة. فحين يتمسك أي صالح بالإيمان ثم يريد التقدم في حالته العلمية بالدعاء والصلاة والفكر والنظر فإن الله الا الله يتولاه ويمسك بيده ويوصله من درجة الإيمان إلى درجة عين اليقين. لكن كل ذلك يتحقق بعد الاستقامة والمجاهدات والرياضات وتزكية النفس وتنقيتها لا قبل ذلك. أما الذي يريد سلفا تسوية جميع الجزئيات كليا، ولا يريد التخلي عن معتقداته السيئة وأعماله السيئة قبل التنقية، فهو محروم من الثواب والفوز بهذا الطريق لأن الإيمان إنما يعدّ إيمانا عندما تكون الأمور التي آمن بها المرء ما زالت في خفاء نوعا ما، أي هي تكون في حالة لم يُحط بها البرهان العقلي ما يسمى هذا