Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 82
الجزء التاسع بسبب ۸۲ سورة الليل أو مثلاً يفقد أب ابنه، ولا يجده رغم البحث الكثير، فيكبر الابن في مدينة أخرى، ويبدأ عمله، وبعد انقضاء سنوات طويلة ينسى صورة والده، ولنفترض أن أباه الفقير يذهب إلى المدينة التي فيها ابنه ويعمل هناك للناس بالأجرة، ويكون ابنه في سفر أو يريد نقل الأثاث من بيت إلى آخر، أو نقل بضائع كثيرة اشتراها من السوق، فيبحث عن أجير فيقع نظره على والده و لم يعرفه، فهل تظن أن قلب الابن سيرق لوالده حبًّا له وحنينًا إليه ؟ كلا، بل إنه سينظر إلى والده نظرته إلى أي أجير علمه الخاطئ، وسيقول له بدون تردد تعال أيها العجوز واحمل أمتعني إلى بيتي مقابل كذا من المال. فمع أن الفتى ابنُ العجوز إلا أنه لا يعلم ذلك بل يظنه أحد الأجراء، فلذلك لا يتولد في قلبه أي مشاعر حب وشفقة على والده، فيعامله معاملة الأجير؛ فثبت أن العلم الخاطئ يخلق مشاعر خاطئة دائما، والمشاعر الخاطئة تؤدي دائما إلى عمل خاطئ إن العلم محرك للمشاعر، والمشاعر محركة للعمل، ولا يتأتى العمل الصحيح إلا بالمشاعر الصحيحة السامية، ولا تتولد المشاعر السامية إلا بالعلم الصحيح. انظروا إلى حب الأم كيف تتفانى في العناية بولدها، وعندي الخادم لو زيدت أجرته عشرين ضعفًا لما اعتنى بالولد ليل نهار كالوالدين اللذين يعانيان في تربية أولادهما، ذلك أن الخادم لا يعمل بالعاطفة، بل مدار عمله الفكر فقط بدون المشاعر. فثبت أن العمل الصحيح بحاجة إلى المشاعر الصحيحة، والمشاعر الصحيحة بحاجة إلى العلم الصحيح، وإذا اجتمعت هذه الثلاث في قوم أو فرد أصبح كاملا. أن لقد أشار الله تعالى هنا بقوله أَعْطَى إلى صحة الأعمال، وبين أن الإنسان المشار إليه لا يجمع الأموال، وأشار بقوله تعالى اتقى إلى صحة المشاعر، وبين أنه يتجنب السيئات. وكان الله تعالى قد ذكر في السور السابقة أن من عادة الكفار أنهم لا ينفقون أموالهم في مصالح الأمة، بل يهدرونها في اللهو واللغو، حيث قيل بلسان الكافر أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَدًا (البلد :(۷) أي قد أنفقت قناطير مقنطرة من المال، ففنَّد الله زعم الكافر وبين له أنك قد أنفقت مالاً كثيرا بالفعل، ولكن ليس لمصلحة الأمة ولا لمساعدة اليتامى والمساكين ولا للنهوض بالفقراء والمحتاجين، وإنما