Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 9) — Page 470
الجزء التاسع ٤٧٠ سورة القدر السماء ستبقى في السماء، ولن تستطيع الأرض أن تنال نصيبا من البركات التي تحظى بها الآن. وجدير بالذكر هنا بوجه خاص أن زمن النبي قد سُمِّي نهارا مرة بعد أخرى، كما سُمِّي النبي شمسا أيضا، فلماذا سُمِّي عصره ليلة القدر؟ فكيف أصبح الزمن الواحد ليلا ونهارًا في وقت واحد؟ اعلم أن الزمن الواحد سُمِّي نهارًا وليلاً من منظورين مختلفين. فزمن النبي ليلٌ من حيث الظلمة السائدة قبل ظهوره ، ولأنه حين يبدد تلك الظلمة وينهي مهمته يقول الله له : تعال، فقد حان رحيلك الآن. فمثلا لما بدّد رسول الله ﷺ ظلمات الضلال والغواية في زمنه قال الله تعالى له إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا )) (النصر : ٢-٤) ، وهكذا أخبره الله بقرب أجله، وقال له: سوف ندعوك إلينا الآن. فالنبي يُبعث في زمن تسوده الظلمات، ويتوفاه الله فور تبديده إياهـــا وعـنـــد بداية زمن الأمن والنجاح والرقي، فلذلك يسمى زمنه ليلا، إذ تنتهي مهمته كلها خلال الليل، حيث يأتي عند المحن ويرحل إلى الله تعالى فور انتهائها. فلأن الغلبـــة العظيمة المادية تلي وفاة النبي، وشمس الانتصارات المادية تطلع بعد مطلع الفجر دائما، لذلك يسمى زمن النبي ليلا، أما الزمن الذي تنال فيه الجماعة الإلهية غلبــــةً غير عادية فيبدأ بعد طلوع الفجر، أي بعد انتقال النبي إلى ربه. ولكن فيما يتعلـق بالترقيات الروحانية فلا يسع أحدًا إنكار أن زمن النبي هو زمن الضوء والنهار، والزمن الذي يلي وفاته هو زمن الظلمة والليل. فعند بعثة نبي تبدأ سلسلة عجيبــة غريبة من نزول الوحي من السماء، ويهطل مطر البركات والأنوار، وتظهر الآيات والمعجزات وتكتمل عندها الرحلة الروحانية في أيام مع أنها تستغرق سنوات وشهورا في الزمن الآخر، إذ يزداد الناس إيمانًا وإخلاصا وحبا الله تعالى بشكل خارق. ولذلك يمكن أن يسمى ذلك الزمن زمن النهار أو زمــــن الــضـوء والنور، أما الزمن الذي لا يكون فيه النبي فيعد زمن الليل والظلام.