Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 51
الجزء الثامن ۵۱ سورة النبأ غَسَاقًا أيضًا تبين أن هنا لا يعني إلا الراحة، لأن الغساق نفسه يعني البارد الشديد البرودة. باختصار، لقد بين الله تعالى هنا أن الماء الذي يجده أهل النار سيكون حارا جدا، كما أنهم يسقون ما يقطر من جلودهم أو صديد جروحهم، أو أنهم يُسقون ماءً منتنا آسنًا جدا، أو ماء شديد البرودة تسقط أسنانهم بشربه. ثم يقول الله تعالى جَزَاءً وفَاقًا ، أي أن هذا الجزاء سيكون مطابقا لأعمالهم تماما، بمعنى أن سلوكهم في الدنيا لم يكن سلوكًا وسطا، لذا سيجدون في الآخرة من الجزاء ما يماثل سلوكهم. . أي ما يكون حارًا جدًّا أو باردًا جدا؛ وبتعبير آخر إنهم كانوا في الدنيا يستشيطون غيظا أو يعيشون متكاسلين عاطلين، ولم تكن سيرتهم وَسَطًا، فلذلك سينالون عذاب جهنم بهذا الشكل، ويعطون ماء مغليا للشرب أحيانا، وأحيانا ماء باردًا جدًّا. أما الماء البارد الذي يجد شاربه فيه متعة وراحة، فلن يكون له أثر في جهنم وهذا هو الفرق المميز بين الإسلام والكفر - أعني الأديان الأخرى فيما يتعلق بالأخلاق، فإن الإسلام يعلّم السلوك الوسط، ولكن لا يوجد هذا التعليم في غيره من الديانات فمثلاً تقول اليهودية: "نَفْسًا بَنَفْسٍ، وَعَيْنًا بعَيْنِ، وَسَنا بسنٌ، وَيَدًا بيد، وَرِحْلاً ،برجل، وكيا بكي، وَحُرْحًا بِحُرْحٍ، وَرَضًا رض الخروج ۲۱ ۲۳-٢٥). أما المسيحية فتقول: "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى حَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا مَتَى ٥: ٣٩. فترى أن إحدى الديانتين تميل إلى القيظ فقط أي إلى الإفراط والأخرى تميل إلى الزمهرير فقط أي إلى التفريط. فيكون جزاء هذه الأعمال الموغلة في الإفراط أو التفريط جزاء مماثلاً لها، فيكون بعضهم في حميم يغلي، والآخرون في برد شديد ولكن الإسلام يأمر بسلوك الطريق الوسط في جميع أحكامه، فيأمرنا أن نرحم عند مقتضى الرحمة، وأن نعاقب عند مقتضى العقاب. يقول الله تعالى في القرآن الكريم ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى: ٤١). . أي يجب معاقبة الظالم على سيئته بقدرها فقط، ولكن الذي يعفو عن الظالم بشرط أن يكون في العفو إصلاح له فسيجد جزاء عفوه عند الله تعالى حتمًا.