Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 8) — Page 538
الجزء الثامن ٥٤٢ سورة الأعلى إدراك ما في هذه الشريعة الكاملة من حكم ولا على العمل بها، فمثل هذه الشريعة ما كانت لتطوّر قواهم وكفاءاتهم، بل كانت ستقضي عليها وتدمّرها؛ ومن أجل ذلك أنزل الله إليهم الشرع الذي كان كاملا في عصرهم نظرا إلى ارتقائهم العقلي، و لم ينزل عليهم الشرع الكامل الكلي الأبدي. ونرى أن هذه الحدود والقيود قد جعلها الله في المخلوقات الأخرى أيضا، فجعل الأسد مثلاً يأكل اللحم ولا يأكل الكلأ، بينما جعل البقرة تأكل الكلأ لا اللحم. ومن مقتضى العقل أن لا يُكلّف أحدٌ إلا بما هو في وسعه وكفاءته. فكم هو أحمق وغِيٌّ مَن يرى البقرة تأكل الكلأ والأسد يأكل اللحم، فيقول هذا ظلم عظيم أن يُطعم أحدهما لحما والآخر كلةً، فإما أن يُطعم الاثنان لحما أو الاثنان كلا! فلو زار أحد حديقة الحيوانات ورأى أمام الأسد لحما وأمام البقرة كلةً، فقال: ما هذا الظلم والانحياز ، فهل يؤيده أي عاقل يا ترى؟ كلا، بل سيقول له الجميع: ليس في ذلك انحياز للأسد ولا ظلم للبقر، لأن البقر لا تقدر إلا على أكل الكلأ، والأسد لا يقدر إلا على أكل اللحم. كذلك هي حال الشرائع، فإنها تنزل دوما بحسب كفاءات الناس؛ فالقول لماذا لم ينزل القول الفصل في البداية يماثل القول: لماذا لا يُطعم الوليد الخبر من يومه الأول بدل الحليب؟ ذلك لأن الوليد لو أُطعم الخبز لمات أن من ينمو، فإنما منفعة الوليد أن يُسقى حليبا فقط ولو وضعت العظام أمام الأسد لمضغها ،وأكلها ولكن لو وضعتها أمام الإنسان لم يستطع تناولها ولو ابتلع عظمًا كبيرا لجرح أمعاءه وقتله في النهاية. وتوجد في حدائق الحيوانات الكبرى حيوانات كثيرة تأكل الحصى، فلو وضعت أمامها حصاة ابتلعتها فورا، فلو وضعت بدلا - وہ بعد رؤية هذا المشهد - الحصى أمام شخص وقلت له: كلها فإنك أشرف ،المخلوقات، فلا شك أنك تُعَدّ غبيًا، لأن الإنسان لو أكل الحصى مات. هذا هو الموضوع الذي بينه الله تعالى في قوله قَدَّرَ فَهَدَى، وقال عليكم أن تتذكروا دائما أن الشرائع نزلت دائمًا بحسب الظروف، ولو نزلت شريعة مهما كانت سامية دون النظر إلى ظروف الناس ،وقدراتهم لأهلكتهم بدلاً من أن ترتقي بهم إلى الدرجات العلى. فعدم نزول القول الفصل" إلى الأولين لم يكن ظلما بهم، بل