Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 7) — Page 432
الجزء السابع ٤٣١ سورة النمل أنه نصروا النبي ﷺ ولو في موطن واحد. إن الجن، بحسب زعمهم، يجلبون لشيخ بسيط منهم عناقيد العنب، ولكنهم لم يُحضروا للنبي ﷺ كسرة خبز، مع كان يبيت جائعًا في أحيان كثيرة. فذات مرة وجد الصحابة أثر الضعف على وجه نبینا ﷺ فعلموا أنه جائع جدًا، فذهب أحدهم وذبح ماعزا وأطعمه وأصحابه (البخاري: كتاب المغازي: باب غزوة الخندق)، ولكن هؤلاء الجن لم ينصروه في هذه الشدائد والمحن ولو مرة واحدة وعندي أن هؤلاء الجن كانوا عديمي الحياء جدًا، إذ يُحضرون للمشايخ أطيب الفواكه من تفاح وعنب وما إلى ذلك، ولم يحضروا للنبي الذي آمنوا به حتى خبز شعير! فكيف عُدّوا من المؤمنين به يا ترى؟ فمن الخطأ تماما الظن أن هؤلاء الجن كائنات غير مرئية غريبة عن الإنسان. كلا بل إن الجن الذين آمنوا بالنبي لو كانوا أيضا أناسًا، وقد نصروه كما نصره غيرهم من الناس. أما إذا اعتبرناهم كائنات غير إنسانية فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا والذي يجب أن يجيب عليه القائلون بالجن هو : لماذا لم ينصر هؤلاء الجن رسولنا رغم إيمانهم به، ورغم أن الله تعالى أمر بنصرته ؟ ثم هناك دليل أقوى مما سبق، وهو قول الله تعالى في القرآن الكريم: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب : ٧٣). . أي لقد عرضنا أمانة الشريعة والوحي على مخلوقات السماء وقلنا لهم هل فيكم من يؤمن ويعمل به؟ فقالت مخلوقات السماء كلها بصوت واحد لا نستطيع حملها. ثم عرضناها على مخلوقات الأرض وقلنا: تعالوا واحملوا هذا العبء ولكنهم أيضًا رفضوا وقالوا: لا نستطيع حمله. فعرضنا هذه الأمانة على الجبال فرفضتها وخافت من حملها – مع أن الشائع أن الجن يسكنون في الجبال - وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ. . أي أن الإنسان تقدم وقال: أعطني يا رب أمانة شريعتك، فأنا أحملها وأعمل بها. إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً. . . أي أن الإنسان كان شديد الظلم لنفسه، إذ لم يُبال في نشوة حبنا وعشقنا بثقل هذه الأمانة، بل حملها بشوق ولهفة غير مكترث للعواقب.