Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 6) — Page 678
الجزء السادس يبني ٦٧٦ سورة الفرقان فعلى المؤمن أن يترك من جهوده خانة واحدة الله تعالى دائما الواقع أن ليس بوسع المؤمن، بل ليس بوسع أحد، أن يقول إنه لم يبق في جهوده أي نقـــص وضعف. ومن أراد إنجاز عمله بحيث لا يبق فيه أي فتور ولا خلل، هو أحمق وغبي. كذلك من الحمق أيضا أن يهمل المرء الأخذ بالأسباب كلية. والأوروبيون مصابون بالحمق الأول في هذه الأيام، أما المسلمون فمصابون بالحمق الثاني. إن مثــل الأوروبيين كمثل الذي بيتًا، ويجعل له أبوابا ويعمل له سقفا، ويشيده جيدا، ثم يقول : الآن لن تستطع النار أن تحرقه، ولن يقدر الزلزال أن يهدمه. أما المسلم فمثله كمثل الذي يريد أن يبني بيتًا، فيكتفي برفع جدار واحد لمترين أو أكثر دون أن يرفع الجدران الأخرى، أو يضع لبيته سقفا، ولا يجعـــل لـه أي أبــواب ولا شبابيك، ويتركه هكذا؛ وإذا سئل قال : لقد بنيتُ الجدار ثم تركته متوكلا على الله الله ولكن هذا ليس من التوكل في شيء، إنما هو كسل وتهاون، لأن الرسول ﷺ يقول: "اعقلها وتوكل" (الترمذي: أبواب القيامة، باب ما جاء في صفة أواني الحوض). . أي عليك أن تعقل بعيرك أولاً ثم تتكل على الله تعالى. بمعنى أنه يجب على المرء أن يبذل جهده إلى أقصى حد، وعندما لا يستطيع أن يزيد على ذلك ولا يبقي بيده بعـــد ذلك أي وسيلة ولا سبب، فعليه أن يخرّ ساجدًا أمام الله تعالى ويستعين به واثقا به. وكأنه إذا أنفذ كل التدابير وأفتى عقله أنه لم يبق هناك شيء، وقالت علوم الدنيا كلها إنه قد استنزف كل جهد ووسيلة، وقالت الفراسة إنه لم يبـق في علمـه خلل، وقالت الخبرة إنه لم يبق فيه أي نقص؛ فعلى المرء أن يقول عندئذ إنه لا يزال بهذا العمل خلل وفتور، ولكن الله تعالى سيسده. وكأن التوكل نوعان: علمي وعملي. التوكل العلمي هو أنه إذا أفتى عقلك وعقول الدنيا كلها وخبرتك وخبرة الدنيا كلها بالإجماع على أن عملك قد اكتمل فعليك أن تقول: كلا من المستحيل أن يخلو عملي من خلل ما، ولكن الله تعالى سيسدّ هذا الخلل بفضله. والتوكل العملي أن تتخذ كل الأسباب التي خلقهـا الله تعالى لإنجاز ما تريده، وتبذل في سبيله كل تضحية ممكنة، ومع ذلك تعوزك بعض الأسباب التي لا تستطيع توفيرها، فيظن أهل الدنيا كلهم أنك فاشل، بينما تظـــل