Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 67
الجزء الخامس ٦٧ سورة مريم الأمانة لهذه الدرجة ويأكل أموالنا؟ قلت : يبدو أنك أيضا تفرق بين الأمانة والخيانة، وتدرك فطرتك أي الأعمال سيئ وأيها حسن؟ وهذا ما قد ركز عليه المسيح الموعود ال كما أشرتُ، وقال إن بعض الناس سيحاسبون بحسب فطرتهم، فلا يسألهم الله تعالى: لم لم تصلوا الصلاة التي علم النبي إياها، بل سيقول لكل واحد منهم : لقد خُلقت بفطرة تميل إلى عبادة أحد، فهل قمت بعبادته ملبيا نداء فطرتك؟ والأمر نفسه فيما يتعلق بالكذب والسرقة وقطع الطرق. فبعض السذج الجاهلين يأكل أموال الآخرين دون أن يفكر في خطئه، ولكن إذا أكل أحد ماله هو سماه خائنًا كبيرًا؛ وهذا يدل على أنه يدرك بفطرته أن أكل أموال الناس خيانة؟ ومما لا شك فيه أن مثل هؤلاء السذج لا يُعدّون محرمين عند الشرع، ولكنهم مجرمون عند الفطرة حتمًا ويعاقبون بحسبها. فكون الفطرة الإنسانية تعتبر بعض الأعمال إنما ، قضية لا يحوم حول صحتها شك، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : إذا كان هذا صحيحًا فأين مكان الكفارة إذن؟ فلو قال الإنجيل إن الفطرة لعنة لظلت القضية من دون حل، ولكنه يقول إن الشرع لعنة (انظر رسالة بولس إلى أهل غلاطية ٣: ١٣). . أي أن الشرع جاء بأحكام لا يستطيع الإنسان العمل بها، ولذلك قام المسيح بإلغاء الشرع نهائيًا. ولكنا نقول: إن الشرع كان ملغى قبل موسى أيضًا، إذ لم يكن للشرع عندئذ وجود، و لم يكن ثمة حاجة إلى كفارة لنجاة الإنسان، بل نال النجاة بالعمل بأوامر فطرته أو نال العقاب إذ خالف تعليماتها. فما الحاجة إلى الكفارة إذن؟ فكأن المعضلة الحقيقية التي كانت تتطلب حلاً إنما هي أن الله تعالى أوقع الناس في الشقاء بإنزال الشرع. ولكن الكفارة ليست حلاً سليمًا لهذه المعضلة، بل كان حلها بكل بساطة إلغاء الشرع. إن هذا الحل مهما كان بسيطا، لكنه هو الحل الحقيقي، فإن ما ورد في الرسالة إلى رومية ٥ يؤكد أن الشرع لم يوجد قبل موسى، فما كان الناس عندئذ يُعدّون محرمين بحسب الشرع، وبالتالي ما اضطر الله