Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 45
الجزء الخامس ٤٥ سورة مريم علما أن قوله تعالى الذي خلَق إنما تقديره الذي خلق الإنسان، لأن كل الأمور المذكورة بعده تخص الإنسان؛ إذ لا علاقة للهداية بالشجر ولا الحيوان بل بالإنسان. فينبهنا الله تعالى هنا أن ليس بوسعكم أن تعرفوا بأنفسكم القانون الإلهي الخاص بالبشر، والقانون الخاص بالكائنات الأخرى. ثم قال الله تعالى والذي أخرج المرعى فجعله غُثاء أحوى. . أي انظروا إلى الزروع والخضار كيف تصبح بعد فترة سوداء اللون وحطاما لا يبقى لها أثر؛ أما الإنسان فيبقى خيره أي خلاصته وروحانيته. فليس بوسعنا مثلاً أن ننتفع من ثمار السنة الماضية، ولكن التعليم الذي جاء به آدم موجود حتى اليوم، وكذلك شرائع نوح وإبراهيم وموسى باقية إلى الآن. فثبت أن القانون الخاص بالإنسان مختلف عن القانون الذي يخص غيره من الكائنات فإذا كان الإنسان شيئًا خبيثا فما الداعي لاستبقائه وما الحاجة إلى استحيائه منذ آلاف السنين. قد يقول البعض هنا: وما يُدرينا أن ما يُنسب إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى من شرائع هي شرائعهم حقا؟ فرد الله على ذلك بقوله سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى. . أي سنعلمك الآن درسا لن تنساه أبدا إلا ما نعطيك من تعليم مؤقت ثم ننسخه. ومثال التعليم المؤقت الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس في الصلاة أول الأمر، ثم الأمر بالتوجه شطر الكعبة (البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة). علما أن الخطاب هنا ليس موجها إلى النبي ﷺ فحسب، بل إلى الناس جميعًا، وقد أعلن الله تعالى هنا أن الإنسان لن يستطيع نسيان هذا التعليم مهما حاول بمعنى أن الله تعالى سوف يكتب لهذا التعليم البقاء والثبات، وسيدرك أن فيه علم ما يختلج في أنفسهم من أفكار خفية، وعلم ما يقع في الخارج من أحداث مؤثرة على أعمالهم. ذلك، الناس ثم قال الله تعالى ونيسرك لليسرى. . . أي أننا نضمن لك إيجاد الأسباب لنشر هذا التعليم باستمرار على نطاق واسع. إذا كان البعض يظن أن الشرع لعنة فسنرى كيف لا يعمل الناس بهذا التعليم.